spot_img
spot_img
الرئيسيةSliderدور الصداقات في مسار المفاوضات

دور الصداقات في مسار المفاوضات

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

|جورج علم|

لا بدّ من نكهة أرثوذكسية تطيّب مذاق الوليمة التي يعدّها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تحت مسمّى “المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل”.

لا بدّ من شخصية من وزن الدكتور إيلي سالم، تطوف على عواصم دول القرار، في زيارات مكوكية، لتوفير قاعدة صلبة يستند إليها المفاوض اللبناني.
لقد كانت الدبلوماسية الأرثوذكسية حاضرة في كلّ المراحل الصعبة التي اجتازها الكيان، فوفّرت التوازن الوطني، وحافظت على المسلّمات.

وأحوج ما يحتاج إليه لبنان اليوم، وفي هذا الظرف المصيري، شخصية منتدبة بصلاحيات فوق العادة، تجوب الرياض، والدوحة، والقاهرة، والجامعة العربية، وأنقرة، مروراً بالفاتيكان، وباريس، وبروكسل، ولندن، وموسكو، وبكين، وصولاً إلى إسلام أباد، لتحفيز الهمم، وتوفير الدعم للمفاوض اللبناني قبل دخوله حقل الألغام.

هناك أسس متينة يستند إليها لبنان، ولا يجوز تجاهلها. فهو عضو مؤسس في جامعة الدول العربية، وعضو مؤسس في شرعة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان. وهو صاحب حظوة في مجلس الأمن الدولي، وقد انتزع منه باقة من القرارات التي تدعم سيادته واستقلاله. كما أنه رئيس قمّة المبادرة العربية للسلام التي استضافتها بيروت، ويملك وثيقة أممية رسمية عنوانها “اتفاقية الهدنة”، المبرمة برعاية الأمم المتحدة في آذار 1949، والتي يُفترض أن تكون ركيزته في أي مفاوضات مع الجانب الإسرائيلي.

لا يجوز أن يذهب المفاوض اللبناني وحيداً إلى حيث يريده الرئيس ترامب أن يكون.

طبعاً، كان الرهان، ولا يزال، على أنه الرئيس الوحيد القادر على مخاطبة بنيامين نتنياهو بمنطق فوقي، وبلهجة الآمر المُطاع. لكن البواكير التي انطلقت من واشنطن لم تكن مشجعة، ويُخشى أن تكون مواقفه خلال المفاوضات زئبقية، طبقاً لمواقفه الإعلامية التي ترقص كعقرب الساعة بين نقيضين، الإيجابي منها والسلبي، من دون أن تستقر على ثابت.

قال بهدنة، ثم مدّدها لأسابيع ثلاثة، لكن الواقع الميداني لم يلمسها. وقال بوقف لإطلاق النار، لكن نار القتل والتدمير لم تهدأ، ولم تنطفئ وحشيتها.
وصدر، الخميس الماضي، عن السفارة الأميركية في بيروت بيان حول رؤية واشنطن لمسار المفاوضات، لكنه بدل أن “يكحّلها.. أعماها”.

دعا البيان إلى “الانخراط المباشر بين لبنان و’إسرائيل’ للحصول على ضمانات ملموسة بشأن السيادة الكاملة، وسلامة أراضيه، وحدود آمنة، ودعم إنساني، وإعادة الإعمار، والاستعادة الكاملة لسلطة الدولة اللبنانية على كل شبر من أراضيها، بضمانات الولايات المتحدة”.

لكن “قشّة الضمانات” هذه هي التي قصمت ظهر البعير، وأخرجت الرئيس نبيه بري عن طوره: “كيف نذهب إلى مفاوضات مباشرة تحت وطأة الاعتداءات الإسرائيلية المتمادية؟ ثم أين المصداقية الأميركية في توفير الضمانات؟ ولماذا لا يُرغم الرئيس ترامب نتنياهو على الامتثال لوقف إطلاق النار، ووقف دورة التدمير والتهجير، وتهيئة الأجواء الملائمة للبحث والانطلاق في مسار المفاوضات؟”.

وهناك مقاربة متداولة في بعض الأوساط الدبلوماسية توفّر رجحاناً لموقف بري من المفاوضات، على قاعدة: “إذا كان المطلوب تخلي حزب الله عن سلاحه، فهذا لن يكون إلا إذا كانت طهران إلى طاولة المفاوضات”. والمعادلة هنا واضحة: إذا كانت واشنطن وحدها القادرة على إرغام تل أبيب على الامتثال، فإن طهران وحدها القادرة على إرغام “حزب الله” على الامتثال. وكل مقاربة أخرى تبقى غير واقعية، إذ لا يستطيع ترامب، ولا حتى نتنياهو، تجريد الحزب من سلاحه عن طريق القوة، مهما بلغ حجم الخراب والدمار، فيما يصبح الأمر ممكناً إذا توصّلا إلى “صفقة” متوازنة مع طهران.

ربما تكون الأجواء وراء الكواليس مغايرة للظاهر المعلن، وتنطوي على مغريات وإيجابيات يمكن أن تشجّع المفاوض اللبناني على المشاركة في “الوليمة” التي يعدّها الرئيس ترامب، لكن البيان الصادر عن السفارة الأميركية بدا وكأنه “مذكرة جلب” بحق لبنان، مضمونها: تعالوا إلى لقاء ثلاثي، ابتسموا أمام الكاميرات، تصافحوا، تهامسوا، وبعد ذلك نبدأ بالمفاوضات، ونبحث في مواصفات الضمانات!
تبدو الدعوة مفخخة، وفق ما تنطق به الوقائع الميدانية، وتبدو “الوليمة” مسمومة. وإذا كان ترامب جاداً في ما يقوله ويخطط له، فعليه أن يقرن القول بالفعل، وأن يتصرّف كوسيط نزيه، وكحكم صادق غير منحاز، فيشرح ضماناته، ويقدّم خريطة طريق واضحة المعالم للمفاوضات، تحدّد من أين تبدأ، وإلى أين، ومتى ستنتهي. أما التعويل على العنجهية، والاعتداد بالنفس، والخطاب الفوقي، ونبرة التقريع والتوبيخ العالية، فلا يوفّر ضمانات موثقة، ولا أسساً من الثقة يمكن البناء عليها.

والنصيحة العربية ـ الأوروبية المتداولة واضحة: “يجب ألا يذهب لبنان إلى المفاوضات وحيداً. يجب أن يؤمّن مواكبة خليجية ـ عربية ـ أوروبية ـ دولية ـ أممية تؤازره، وتشدّ أزره، وتواكب مساره طوال رحلة التفاوض”. وهذا يتطلب دبلوماسية استثنائية، مرنة ونشطة، تعرف كيف تدوّر الزوايا الحادة، وتضع الأشقاء والأصدقاء في الموقع المسؤول، المواكب والمجنّد لتوفير الأجواء المؤاتية، كي تهبّ رياح المفاوضات وفق ما يشتهي الشراع اللبناني.
صحيح أن الرئيس ترامب يتصرّف وكأنه الملك المطلق، والحاكم الأوحد في العالم، لكن العالم، حتى الآن، لم يمتثل لنوبات غضبه، ولا لزئبقية مواقفه المتقلّبة. وعلى اللبيب اللبناني أن يفهم الإشارات الخليجية ـ العربية ـ الأوروبية المحذّرة. فصديقك من صدقك، لا من صدّقك!.

للانضمام إلى مجموعة “الجريدة” اضغط على الرابط

https://chat.whatsapp.com/D1AbBGEjtWlGzpr4weF4y2?mode=gi_t

spot_img
spot_img
spot_img

شريط الأحداث

spot_img
spot_img