spot_img
spot_img
الرئيسيةSliderعندما يتكلم الوجع... نُقتل مرتين!

عندما يتكلم الوجع… نُقتل مرتين!

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

| سوسن صفا |

ثقيلةٌ هي الكتابة في هذه الأيام.

حين تتحوّل حياتنا إلى تفصيلٍ قابلٍ للتأجيل، وكأنّ الكرامة الوطنية بندٌ قابلٌ للتفاوض.

ويحدث أن تتواطأ الكلمات مع العجز، فتفشل في تصوير الوجع؛ فكل جملة تبدو أصغر من ألمنا، وأقلّ من قدرتها على توصيف ما يحدث.

ومع ذلك، فالصمت ليس خياراً.

الصمت شكلٌ آخر من أشكال الموت.

في اللغة الباردة، ما يجري هو حربٌ على لبنان. أمّا في الواقع المعاش، فنحن أهل الجنوب نتعرّض لقتلٍ يوميّ مفتوح، بلا توقف، وبلا سقف.

قتلٌ تحوّل إلى فعل توحّش يتجاوز كل ما اختبرناه سابقاً؛ توحّش يعيد تعريف نفسه بأشكال متعددة، على أجسادنا وفوق رؤوسنا.
في الجنوب، تُقتل الحياة بمعناها الكامل.

تُسوّى البيوت بالأرض، وتُمحى عائلات بأكملها، وتتحوّل أماكن كانت لا تزال أصوات أصحابها صاخبةً فيها، إلى فراغٍ ورمادٍ ثقيل.

هذا ليس دماراً عابراً، بل اقتلاعٌ من الجذور؛ وكأنّ هناك من يريد محو الذاكرة نفسها، لا مجرد تدمير المكان.

نحن لسنا شهوداً محايدين، بل في قلب المشهد.

بتنا نحفظ صوت الموت كما نحفظ أسماءنا.

صور الشهداء لا تمرّ أمامنا، بل تستقرّ فينا، وتحفر في عمق العمق.

وحكاياتهم لا تُروى ثم تُنسى.

وجوههم تلاحقنا، وضحكاتهم، وتفاصيلهم الصغيرة، ولحظاتهم الأخيرة التي لا يجوز أن تتحوّل إلى خبرٍ عابر.

الشهداء ليسوا أرقاماً، وهذه ليست جملة إنشائية.

كل اسمٍ هو حياةٌ كاملة تمّ خطفها؛ مشروع عمر، وحب، وأم تنتظر، وبيتٌ لن يُفتح بابه مرة أخرى.

الشهادة ليست وظيفة، بل مواجهة مباشرة مع الموت دفاعاً عن أرضٍ تُستباح بلا توقف.

اللغة التي تحاول وصف المشهد تبدو مهذّبة أكثر من اللازم، وخجولة أمام فداحة ما يُرتكب.

كيف لكلماتٍ أن تكون عادلة مع طفلة فقدت كل شيء؟ مع أمّ لا تزال تنتظر عودة ولدها؟ مع أبٍ ينام على حجر بيتٍ تهدّم؟

كيف لوصفٍ أن يوثّق لحظة سقوط بيتٍ على من فيه؟

الحقيقة أنّ الكتابة تفشل، ولكنها، رغم ذلك، تُجبَر على المحاولة؛ لأن البديل هو محو كل ما يحدث، وكأنه لم يكن.

نحن نعيش في وطنٍ يُهدم أمام أعيننا قطعةً قطعة، بيتاً بيتاً، وذاكرةً ذاكرة…

ومع ذلك، يُطلب منا أن نستمر، أن نتأقلم، وأن نجد لغة “مناسبة”.

فأيّ لغةٍ مناسبة للقتل اليومي؟

وأيّ مفرداتٍ تستطيع أن تحكي هذا الوجع؟

نحن أمام حقيقةٍ عارية: نُقتل، وتُدمَّر حياتنا، ويُعاد تشكيل خوفنا كل يوم، فيما نقف وحدنا في مواجهة هذا التوحّش.

تُقتل ذاكرتنا، بينما يختبئ الخطاب الرسمي خلف لغةٍ باردة، عاجزة، أو متواطئة.

والفضيحة لا تقف عند قتلنا؛ الفضيحة أنّ من يفترض أنهم حماة البلد يقفون اليوم على الهامش، ينتظرون، يراقبون الحدث عن بعد، أو حتى يبرّرون.

أيّ دولةٍ تعجز عن حماية أبنائها؟

أيّ سيادةٍ هذه التي تحتاج إلى إذن دخول إلى أرضها، من أجل إنقاذ صحافية تنزف؟

هذه ليست صورةً عابرة، بل خلاصة مشهد:

دولة تنتظر الإذن من جلادها.. وشعبٌ يُترك لمصيره.

هذا ليس تقصيراً، بل تخلٍّ صريح عن أبسط واجبات السلطة: الحماية.

وهكذا، في ظل هذا الغياب، نبقى وحدنا؛ نحمل خوفنا بأنفسنا، وندفن شهداءنا بأنفسنا، ونحاول أن نلملم ما تبقّى من بيوتنا وأرواحنا بأنفسنا.

كيف يمكن للكتابة أن تكون عادلة مع هذا كله؟

وكيف لجملةٍ أن تختصر لحظة يُترك فيها إنسان ينزف حتى الموت، لأن الدولة تنتظر إذناً؟

نحن لسنا أرقاماً، ولن نسمح بأن نكون.

كل واحدٍ منا دليل إدانة على من قتل، وعلى من سمح باستمرار قتلنا، وعلى كل من صمت.

كل اسمٍ منا هو حياةٌ كاملة كان يجب أن تُحمى، لا أن تُترك للموت.

هنا لا تعود اللغة عاجزة فقط، بل غاضبة…

غاضبة من واقعٍ نُقتل فيه مرتين.

ورغم كل ذلك، نكتب، وسنبقى نكتب؛ لا لأن الكتابة كافية، بل لأنها آخر ما تبقّى لنا في وجه هذا الانهيار.

سنبقى نكتب لنفضح، ولنقول: هذه هي نتيجة تخلّي الدولة عن وظيفتها.

قد تكون الكلمة عاجزة، نعم…

لكنّها، على الأقل، ترفض أن تكون شريكةً في الصمت، وشريكةً في قتلنا.

للانضمام إلى مجموعة “الجريدة” اضغط على الرابط

https://chat.whatsapp.com/D1AbBGEjtWlGzpr4weF4y2?mode=gi_t

spot_img
spot_img
spot_img

شريط الأحداث

spot_img
spot_img