| غاصب المختار |
لم تكن الهدنة بين لبنان وكيان الاحتلال، بعد اجتماعين في واشنطن على مستوى السفراء وبرعاية مباشرة من الرئيس دونالد ترامب، مجرد قرار أو موقف في الهواء، بل ترافقت مع إعلان أميركي صريح، مرة جديدة، بأن “لإسرائيل حق الدفاع عن النفس”، فيما لا يُعترف للبنان بحق الدفاع عن نفسه. وقد تُرجم ذلك على الأرض باستمرار العدوان الإسرائيلي على قرى الجنوب، وتفجير المنازل والمنشآت الحيوية والبنى التحتية، فيما يجري التركيز على ردّ المقاومة العسكري على تجمعات ومواقع الاحتلال، لا على الأماكن المدنية كما يفعل العدو.
ولعلّ لبنان الرسمي، اللاهث وراء التفاوض المباشر مع الاحتلال، يُدرك في خلفية موقفه أنه ليس صاحب قرار السلم والحرب، بل إن إسرائيل والإدارة الأميركية هما صاحبتا القرار، فيما لا تُعدّ عمليات المقاومة سوى ردّ فعل على العدوان، ولو استباقياً في بعض الأحيان. لذلك، لا يمكن الركون إلى التفاوض الرسمي مع الاحتلال من دون الأخذ بعين الاعتبار موقف الفريق الذي يواجه الاحتلال، ويعلم بالتفصيل خططه ونواياه وأحلامه ومشاريعه الكبرى، ليس في الجنوب فقط، بل في لبنان كله، وفي العديد من دول المنطقة. وتجارب العدو ماثلة في فلسطين وسوريا ومصر وقطر والسعودية.
لذلك، لم تكن هدنة واشنطن سوى مرحلة أخرى من مراحل تأجيل الحلول الجذرية، ومنح الاحتلال مزيداً من الوقت لاستكمال مشروعه القائم على تدمير قرى الحافة الحدودية الأمامية، وإقامة منطقة عازلة ميتة، خالية من السكان، غصباً عن لبنان. بينما يبقى العنوان الوحيد للحل، الذي تعرفه أميركا وكل دول العالم، هو وقف العدوان نهائياً على لبنان، وتنفيذ القرار 1701، لا المزيد من القتل والتدمير، وتثبيت الاحتلال وتوسيعه.
وبدا، من خلال لهاث الدولة نحو التفاوض مع الاحتلال، أنها كلما قدّمت تنازلاً طلب الجانبان الأميركي والإسرائيلي المزيد. وآخر هذه الطلبات برز في اجتماعات واشنطن، من خلال مطالبة الدولة اللبنانية بإلغاء القوانين التي تُحرّم اعتبار إسرائيل عدواً، وتُجرّم التعامل معها. وهو مطلب يعلم الجميع أنه خاضع لتشريعات قانونية لا يمكن أن تمرّ في المجلس النيابي، ولا في الحكومة، نتيجة الانقسام السياسي الكبير القائم، ووجود شرائح واسعة ترفض هذا الطلب، ولا تزال، بعد تجارب السنين الطويلة، تعتبر كيان الاحتلال كياناً عدوانياً توسعياً، له مطامع كبيرة في مياه لبنان وبحره ونفطه ومقدراته، وتراه منافساً سياسياً واقتصادياً وأخلاقياً، وتسعى دوماً إلى منعه من التقدم والازدهار.
لكن ثمة مفارقة غريبة لا تدخل عقل عاقل، إذ يعتبر إعلام كيان الاحتلال وبعض شخصياته السياسية والعسكرية أن “الهدنة تخدم حزب الله، الذي من جهة لا يلتزم ويواصل إطلاق المسيّرات، ومن جهة ثانية يستغلّ ذلك لإعادة تعزيز قواته”، فيما تشير الوقائع إلى استفادة الاحتلال من أي اتفاق لوقف إطلاق النار، لمواصلة عدوانه ومشروعه التدميري للجنوب، منذ اتفاق تشرين الثاني 2024 حتى اليوم.
غير أنه لا بدّ من الإقرار أيضاً بأن “حزب الله” مارس حقه الطبيعي في الاستعداد لأي مواجهة، دفاعاً عن تراب الوطن، لأنه يعلم أن الاحتلال لا يلتزم بالاتفاقات، ولا بأي قرار لوقف الأعمال العدائية.













