spot_img
spot_img
الرئيسيةسياسةإخراج هدنة الأيام العشرة: ماكياج أميركي لتجميل القبح اللبناني

إخراج هدنة الأيام العشرة: ماكياج أميركي لتجميل القبح اللبناني

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

لا يقلّ ما لم يُعلَن في اتفاق وقف إطلاق النار أهمية عمّا أُعلن، إذ جرى القفز فوق مجموعة من الوقائع الأساسية التي تشكّل جوهر الأزمة، ما يوحي وكأن المطلوب هو تثبيت تهدئةٍ شكلية من دون الاعتراف بحجم التحوّل الذي فرضه مسار المواجهة وما تضمّنته من تبدّل في قواعد الاشتباك، بعد الأداء الأسطوري للمقاومين في جبهة الجنوب، حيث انكشف المشهد على ضعف إسرائيلي غير مسبوق، وعلى اندثار كل آثار العدوان الواسع الذي حصل في العام 2024. وهو ما انعكس ضعفاً كبيراً جعل الولايات المتحدة تتدخل ليس لإنقاذ اتفاقها مع إيران فحسب، بل للحدّ من فضيحة الجيش الإسرائيلي.

الإعلان الذي تولاه الجانب الأميركي، في سياق استعراضي لا يبتعد عن «مسرح ترامب»، حاول الهروب من التوصيف الدقيق لما جرى ويجري. وجاءت مواقف لبنان وكيان العدو، لتساعد الولايات المتحدة على طمس حقيقة مسؤولية إسرائيل عن الحرب وجرائمها، كما طمس حقيقة أن صمود المقاومة وإيران، يقفان خلف الإذعان الأميركي والخضوع الإسرائيلي لقرار وقف إطلاق النار.

وبرغم أن الإعلان الرسمي الصادر عن الولايات المتحدة الأميركية، حاول وضع إطار مختلف للقرار، فإن كل ما ورد فيه من نقاط، إما هدفه إثارة الغبار للتغطية على الخسارة الكبيرة، أو أنه إشارة إلى عودة قريبة للحرب. وذلك لأسباب عدة، أبرزها، أن واشنطن تعرف أنه لا يمكن لها، كما لإسرائيل قبض ثمن القرار، وأن من تحدثت معهم في لبنان لا يملكون لا الشرعية ولا القدرة على المقايضة. وجل همهم اليوم، حفظ مواقعهم المهددة بالسقوط نتيجة فعل الخيانة الذي ارتبكوه ويواصلون ارتكابه.

أما لجهة منح العدو حق القيام بعمليات عسكرية وفق ما يراه مناسباً، فهو لن يسعف بنيامين نتنياهو الذي وجد نفسه في مواجهة أكبر أزمة له منذ 7 أكتوبر 2023، أما في حال كان الأميركيون يصدقون بأن لإسرائيل الحق في استمرار الاحتلال، أو القيام بعمليات عسكرية في لبنان، فإن قيادة جيش الاحتلال تعرف تماماً، أن حزب الله سوف يرد فوراً وبقسوة على أي خرق للاتفاق، وهذا يعني أولاً وأخيراً، أن تسليم السلاح ليس مطروحاً للنقاش حتى تنفذ إسرائيل كل شروط المقاومة.

لكن اللافت، أن التصريحات التي أدلي بها حول الهدنة المؤقتة، لم تشرْ إلى الضمانات الفعلية لاستمرار وقف النار، ولا إلى آليات مراقبته أو محاسبة من يخرقه، ما يجعله أقرب إلى إعلان نوايا منه إلى هدنة قابلة للحياة، خصوصاً أن المقاومة، على لسان الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، أكدت أن لا عودة إلى ما قبل الثاني من آذار الماضي. وعليه، فإن ما تم تجاهله يعكس محاولة واضحة لتجنّب مواجهة الحقيقة: أن أي وقف لإطلاق النار لا يترافق مع تأكيد بأنه لن يشهد خرقاً من قبل العدو الإسرائيلي، سيبقى مجرّد هدنة مؤقتة قابلة للانهيار عند أول اختبار ميداني.

وسبقت الإعلان عن وقف إطلاق النار أمس سلسلة تحركات سياسية وإعلامية، من بينها ما نُقل عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عبر منصته، أن الاتفاق هو جزء من مساعٍ لإدخال الملف اللبناني- الإسرائيلي في مسار تفاوضي أكثر مباشرة. غير أنّ هذه المحاولات، رغم زخمها الإعلامي، اصطدمت بتعقيدات سياسية وميدانية حالت دون ترجمتها إلى مسار فعلي. وتزامن ذلك مع مسعى أميركي إلى ترتيب صيغة تواصل ثلاثي تضم الرئيس جوزيف عون ورئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو برعاية وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، ما وضع قصر بعبدا في قلب نقاش داخلي حساس، وكشف حجم التباين مع رئيس مجلس النواب نبيه بري وعدد من القوى السياسية، من بينها وليد جنبلاط، الذي حذّر وبري رئيس الجمهورية من ارتكاب هذا الخطأ.

وكان ترامب قد باغت، الجميع بإعلانه وقف النار بين لبنان وإسرائيل ابتداء من منتصف ليل الخميس – الجمعة ولمدة 10 أيام، معلناً تكليف نائبه جيه دي فانس، ووزير الخارجية ماركو روبيو، إلى جانب رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين، «للعمل مع البلدين لتحقيق سلام دائم».

لاحقاً، أجرى روبيو ثم ترامب اتصالاً بالرئيس عون، شدّد خلاله على التزام واشنطن بدعم الجهود الرامية إلى وقف إطلاق النار، وعلى دعم لمسار عون. غير أن المعطيات اللبنانية لم تُشرْ إلى أن هذا الاتصال تطرق بشكل مباشر إلى فكرة التواصل الثلاثي مع نتنياهو، ما أبقى هذا الطرح في إطار التسريبات السياسية غير المكتملة. علماً أن التحركات التي شهدها قصر بعبدا، بما في ذلك إعادة جدولة بعض المواعيد الرئاسية، عكست حجم التخبط الذي رافق الطرح الأميركي، ما يشير إلى أن المبادرة لم تكن بروتوكولية أو إعلامية فقط، بل حملت أبعاداً سياسية جدية.

وفي موازاة ذلك، برز موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري، مدعوماً باتصالات إقليمية عكست ارتباط مسار التفاوض بالبعد الإيراني. هذا التداخل أعاد التأكيد أن مفاتيح التهدئة ليست محصورة بالقرار اللبناني الداخلي، بل ترتبط مباشرة بتوازنات إقليمية متشابكة. وبحسب المعلومات شهدت الساعات الأخيرة اتصالات مكثفة بين لبنان، إيران، السعودية والولايات المتحدة، في محاولة لبلورة اتفاق يُفضي إلى إنهاء الحرب، غير أن ملامح هذا الاتّفاق لم تتبلور بعد، في ظل إصرار إسرائيل على مواصلة عدوانها. علماً أن حزب الله أعلن رسمياً، أنه تلقّى الأخبار عن وقف إطلاق النار من الجانب الإيراني.

وفيما انتهى التواصل بين الرئيس عون والوزير روبيو إلى تثبيت موقف لبناني رافض لأي تواصل مباشر مع نتنياهو، فإن دوائر القصر الجمهوري حرصت على صياغة موقف عون بلغة دبلوماسية متوازنة، تجمع بين الترحيب بالجهود الأميركية ورفض أي تطبيع مباشر تحت الضغط العسكري، تم نفي ما تم تداوله عن أي مكالمة مرتقبة بين عون ونتنياهو، في خطوة هدفت إلى ضبط الإيقاع الداخلي ومنع توسع التأويلات السياسية التي رافقت التسريبات.

في المحصلة، لا يبدو أن الحديث عن وقف إطلاق النار يتجه نحو حل نهائي بقدر ما يعكس مرحلة إعادة تموضع سياسي وعسكري، حيث تُختبر الحدود الفعلية لقدرة الأطراف على فرض شروطها، في ظل ميزان قوى لا يزال مفتوحاً على احتمالات متعددة، بين تهدئة مؤقتة أو إعادة إنتاج دورة تصعيد جديدة.

spot_img
spot_img
spot_img

شريط الأحداث

spot_img
spot_img