| جورج علم |
أُعلنت الهدنة، وبقي الخلاف حول لبنان.
إيران لن تتركه. إنه الساحة، والجبهة المتقدمة، والموقع الاستراتيجي على المتوسط.
“إسرائيل” لن تتركه. مطامعها كبيرة. لديها بنك من الأهداف، ولا مصلحة لها في أي نفوذ إيراني يقاسمها الأمن والسياسة والاقتصاد. تريده جزءاً من الشرق الأوسط الجديد، طبقاً للهندسة “الترامبية ـ النتنياهوية”.
لبنان الرسمي يعترض، ويرفع رئيس الحكومة الصوت: “لا أحد ينوب عن الدولة. وحدها الأم الشرعية، وحدها المرجعية المسؤولة، الناطقة باسمه، والمدافعة عن مصالحه…”.
الولايات المتحدة متغاضية. دعم الرئيس دونالد ترامب موقف بنيامين نتنياهو، وقال إن “الهدنة لا تشمل لبنان”.
والخلاصة:
إن لبنان يدفع فاتورة غالية ثمن “الصفقة”، هذا إذا نجحت المفاوضات.
إن هدنة الأسبوعين مجرد “استراحة محارب”، استعداداً لجولة جديدة، إلا إذا عاد المتحاربون خطوات واسعة إلى الوراء، وأقدموا على تنازلات متبادلة، لأن ملفاً على هذا المستوى من التعقيد يحتاج إلى مهل مديدة لبناء جدار الثقة أولاً.
إن “القضية اللبنانية” ليست اللغم الوحيد المتفجر. هناك مساحات واسعة مزروعة بالألغام. وعندما وُلدت الهدنة تحت جنح الظلام، كان الليل صاخباً بالتوقعات التشاؤمية، ومع انبلاج الفجر علت أصوات وازنة في الشارع الأميركي تقول صراحة: “الانتخابات النصفية اقتربت، وعلى الرئيس ترامب أن يغيّر سياسته.. أو يُفترض أن يغيّر”!
حجة المعترضين أنه ذهب إلى إيران لتغيير النظام، وإذا به يقبل بالتفاوض معه بعد طول قتال ونزال.
وذهب ليقبض على مضيق هرمز، كما فعل مع الرئيس نيكولا مادورو، ليستأثر بالطاقة، وإذا به يقبل بأن يبقى المضيق تحت الوصاية الإيرانية.
وذهب نحو طهران مهدداً متوعداً، وإذا بالوقائع تخذله، ولائحة الخسائر عنده تضيق بالأرقام.
ترفع المظاهرات الصاخبة في الشارع الانتخابي المعارض يافطاتها: “لا تحتمل الولايات المتحدة فيتنام ثانية، ولا أفغانستان جديدة. لا تحتمل ولاية كاملة من المزاج المتهور”.
دوائر القرار عنده أصبحت في مقلب آخر، تنكبّ على إحصاء الأخطاء والأضرار المعنوية والسياسية والاقتصادية التي ألحقها بمكانة أميركا وسمعتها على المستوى الدولي.
خسر، بفضل مواقفه المتقلبة، الأصدقاء والحلفاء، من دون أن يتمكن من استمالة الأعداء.
هاجم الاتحاد الأوروبي لأن دوله رفضت الانجرار وراءه والامتثال لمطالبه.
قالها الاتحاد صريحة: “هذه الحرب ليست حربنا، ولم تعد أوروبا مجرد قاطرة يجرها قطار أميركي من دون ضوابط”.
قرّع حلف شمال الأطلسي “الناتو”، وهدد بالانسحاب منه، وهاجم قادته لعدم انغماسهم في الحرب طبقاً لإملاءاته.
بدوره، انتقد الكونغرس البنود الإيرانية العشرة التي شكّلت منطلقاً للهدنة. وقبل أن يملأ الانتقاد الفضاء الإعلامي الأميركي، عاد ترامب إلى لغة التهديد والوعيد، وراح يعدّد الإنجازات التي حققها عن طريق الغارات!
أزعجته ردة الفعل الدولية المرحبة بالهدنة وبمضيق هرمز. لم تتوقف الدول طويلاً أمام مكتسبات الحرب التي حققها هذا الطرف أو ذاك. ما يهمها كان تدفق النفط في شرايين مصانعها. لا تستطيع أن تتقبل هزيمة اقتصادية نتيجة حرب لا تريدها.
وتوازياً، سجّلت مكاتب الدراسات الاستراتيجية ملاحظات:
الأولى: ضرورة تقديم جردة حساب دقيقة وشفافة تبيّن حجم الخسائر البشرية والمادية، والأضرار البالغة التي أصيب بها الاقتصاد الأميركي، فضلاً عن التحولات في الشارع بين مؤيد لهذه الحرب ومنتقد لها.
الثانية: إن الإعلان عن الهدنة لا يعني الانتصار. ولو تحقق ـ كما يزعم ترامب ـ لما كانت الحاجة إلى هدنة، بل إلى منصة لإعلان الاستسلام وإملاء الشروط! وهذا لم يحصل، وأصبحت الحاجة إلى التفاوض ملحة بعدما تعب الجميع.
الثالثة: كانت دول مجلس التعاون الخليجي المتضرر الأكبر، رغم عدم مشاركتها في هذه الحرب. وقد رحّبت بالتوصل إلى هدنة إنقاذاً لمصالحها، لكن هذا لا يلغي السرديات الرسمية عن التباينات الحادة مع الإدارة “الترامبية”، كون الولايات المتحدة انتدبت نفسها كمحاور نيابة عن الجميع، من دون أن يكون هناك مقاعد حول طاولة المفاوضات محجوزة سلفاً للخليجيين، كي يكون لهم رأي وموقف من “الصفقة ـ التسوية”.
وظهرت علامات استفهام على صفحة العلاقات مع واشنطن انطلاقاً من:
• إن الأهداف التي وعد ترامب بتحقيقها قبل أن يشعل عود الثقاب لم تتحقق، رغم اتساع الحريق.
• إن ما تكبدته دول مجلس التعاون يفوق ما تكبدته “إسرائيل” والولايات المتحدة، رغم وقوفها على الحياد والنأي بنفسها عن جبهة المواجهة.
• إن إعادة تقييم العلاقات ستأخذ بعين الاعتبار كل الحقائق والمستجدات التي فرضت نفسها كأمر واقع، وعلى قاعدة: “ما سيكون بعد الحرب ليس كما كان”.
الرابعة: يعتبر بعض مراكز الدراسات أن الصين هي الرابح الأول. إمداداتها النفطية والغازية لا تزال مؤمنة، وأكسبها إعلان وقف إطلاق النار رصيداً مادياً ومعنوياً كبيراً كانت تخشى فقدانه.
كان الرئيس ترامب يخطط لزيارة بكين، وفي جيبه ورقة مضيق هرمز. الآن يذهب، وورقة المضيق لا تزال بعهدة “الحرس الثوري”!
الخامسة: إن جدار الثقة بين نتنياهو وترامب قد أصابه عطب. ترامب يقول إنه حقق ما يريد من حربه على إيران، ليجيبه نتنياهو بأن الحرب لم تحقق أهدافها بعد.
فهل تنجح المفاوضات في رسم معالم “اليوم التالي”، أم أنها مجرد هدنة للانطلاق نحو جولة جديدة؟!














