| جورج علم |
لم تضع الحرب أوزارها بعد، لأن معالم “الصفقة” لم تكتمل.
يبقى السؤال المحوري: هل من “حصة” لإيران في الهيمنة على الشرق الأوسط الجديد، أم سيقتصر الأمر على الولايات المتحدة و”إسرائيل”؟
فتح بيان دول مجلس التعاون الخليجي ثغرة واسعة في الجدار المصفّح.
قال أمين عام المجلس جاسم البديوي: “لا قيمة لأي صفقة ما لم توافق عليها دول مجلس التعاون، ولا قبول بأي مفاوضات تجري بين الأميركيين والإيرانيين والإسرائيليين ما لم تكن دول المجلس حاضرة إلى الطاولة، مشاركة، وصاحبة رأي وموقف”. وأسند موقفه بالقول إن 83 بالمئة من الصواريخ والمسيّرات الإيرانية سقطت على دول الخليج، في حين كان نصيب “إسرائيل” فقط 17 بالمئة، رغم أن لا علاقة لدول مجلس التعاون بهذه الحرب المشتعلة.
الموضوع أبعد وأعمق من هذه السرديات. جوهره أن دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو متكافلان ومتضامنان على فرض معايير الشرق الأوسط الجديد على دول المنطقة وأنظمتها وكياناتها، من دون الأخذ برأيها أو مراعاة مصالحها. وأن الهدف من هذه الحرب تحييد إيران عن دور “الشريك”، لكي يستأثرا معاً بثروات المنطقة وجغرافياتها الاستراتيجية.
ويبقى لبنان خير مثال. فقد قدّم الرئيس جوزاف عون مبادرة تفاوضية لم تأخذ بها الولايات المتحدة، فيما رفضتها “إسرائيل” ووضعت لها سقفاً عالياً: إما أن تبادر الحكومة اللبنانية إلى تنفيذ ما قررته حول حصرية السلاح وحل الجناح العسكري، لكي تقبل بالتفاوض، أو تتولى هي المهمة. وقد بادرت ـ استناداً إلى هذه الذريعة ـ إلى شن عدوان واسع هدفه احتلال الجنوب حتى الليطاني، وتدمير البلدات والقرى، ومنع الأهالي من العودة، إلا بعد “القضاء” على “حزب الله”.
تطلّ إيران على المشهد اللبناني من زاوية مصالحها، فتعلن أن أي اتفاق لوقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة و”إسرائيل” يجب أن يشمل لبنان.
هذه المعادلة، المرنة في الشكل، مرفوضة في المضمون، ولا يحق لإيران أن تنوب عن لبنان أو تتحدث باسمه أو تفاوض عنه. فهنا سلطة شرعية، وحكومة، ومؤسسات رسمية قادرة على التفاوض، ومؤهلة لخوض مسار دبلوماسي يؤمّن مقتضيات المصلحة الوطنية اللبنانية العليا.
الأمر الثاني، أن ذرّ الرماد الإيراني في العيون اللبنانية هدفه تقديم جماعتها المسلحة كمفاوض نيابة عن اللبنانيين، أو في أقصى الأحوال كشريحة لبنانية لا بد من الوقوف على رأيها وأخذ مطالبها بعين الاعتبار في أي مفاوضات.
واستناداً إلى موقع “دير شبيغل” الألماني، فإن “حرب المفاوضات” ستكون أكثر حدّة وشراسة من الحرب العسكرية بين إيران من جهة، و”إسرائيل” والولايات المتحدة من جهة أخرى.
وترى أن “القوى العظمى” لم تتدخل بعد بشكل فعلي، لكنها ستفعل في “الوقت المناسب” مدفوعة بعاملين:
الأول، أن احتكار واشنطن وتل أبيب لحقول النفط والغاز الهائلة بمردوداتها في هذه المنطقة، أمر غير مقبول. وأن حماية المصالح الحيوية، تفرض التدخل في الوقت المناسب لفرض الشراكة في المنفعة والاستثمار.
الثاني، لا يمكن القبول بأن يتحرر مضيق هرمز من الهيمنة الإيرانية لينتقل إلى الهيمنة الأميركية ـ الإسرائيلية، ولا بد من تسوية عادلة تحت إشراف دولي متعدد الأقطاب، لإيجاد “مساحة مشتركة” تؤمّن مصالح الدول المنتجة والمستهلكة، وتعيد التوازن إلى القطاعات التجارية والصناعية والاقتصادية، بما يضمن استقرار الحياة الاجتماعية”.
ووفق الموقع الألماني، فإن الصين والهند وروسيا ودول الاتحاد الأوروبي، وحتى الدول المؤثرة في أميركا اللاتينية وأفريقيا، لن تقف مكتوفة الأيدي، بل سيكون لها توجه واضح يخدم مصالحها.
وترى صحيفة “واشنطن بوست” أن التسوية “المثلثة الأضلاع” بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” من جهة، وإيران من جهة أخرى، و”التحالف الدولي” من طرف ثالث، لضمان أمن مضيق هرمز والاستفادة من شريانه الحيوي، لم يُكتب لها النجاح، لأن طموح ترامب في السيطرة عسكرياً على جزيرة “خرج” أعاد المحاولات التسووية إلى نقطة الصفر”.
ورأت الصحيفة في موقع آخر أن “يقظة دول مجلس التعاون الخليجي تجاه المفاوضات الجارية، تتجاوز مجرد تسجيل موقف، فهي بداية الخروج من السلاسة والمواقف الدبلوماسية المحتشمة، نحو المجاهرة بالحقوق الطبيعية التي لا يمكن طمسها، بذريعة أن تكاليف الحرب وتداعياتها اقتصرت على الولايات المتحدة و”إسرائيل”، ذلك أن دول المجلس، إضافة إلى الأردن، دفعت أثماناً باهظة، وتعرضت لنحو 85 بالمئة من الصواريخ والمقذوفات الإيرانية، بذريعة وجود قواعد ومنشآت أميركية على أراضيها”.
وتهتدي الصحيفة الأميركية إلى استنتاجين:
الأول: إن العلاقة بين دول مجلس التعاون وإدارة الرئيس ترامب ليست على ما يرام في هذه الأيام، نتيجة ما يُحاك من مخارج للحرب المشتعلة، والمرشحة للتصعيد، إذ إن التحالف الوثيق يعتريه فتور تتخلله علامات استفهام كبيرة، لا بد للبيت الأبيض من الإجابة عنها وتقديم ضمانات بشأنها.
الثاني: إن يقظة دول مجلس التعاون مرشحة للتحول إلى موقف عربي جامع، موحد وحازم، انطلاقاً من رفض المسار الهادف إلى وضع المنطقة تحت الهيمنة الأميركية ـ الإسرائيلية، بحيث تتحكم بمصائر دولها وشعوبها ومصالحها وطاقاتها، من دون أن يكون للدول العربية موقف أو ضمانات موثوقة ترعى حقوقها.














