| غاصب المختار |
حمل كلام السفير الأميركي ميشال عيسى من بكركي، بعد لقائه البطريرك بشارة الراعي، مضموناً صريحاً وواضحاً يستبطن استجرار الفتنة بين اللبنانيين عموماً، وبين الجيش ومكوّن لبناني واسع، عبر قوله، رداً على سؤال عن أداء الجيش اللبناني: “نحن نعرف قدرته على تنفيذ ما يمكن أن ينفذه، ولديه مقدرة إذا قرر القيام بالمطلوب منه، ونحن في الانتظار”!
هذا الكلام يعني إشارة مباشرة إلى تحريض الجيش على الاصطدام بـ”حزب الله” بهدف تنفيذ قرار الحكومة نزع السلاح، ولو بالقوة.
وإلى ذلك، فسّر خصوم الحزب، المقرّبون جداً من التوجه الأميركي، والراغبون ربما أكثر من غيرهم في تنفيذ القرار الأميركي، هذا الكلام بما يفيد أن “كلام السفير الأميركي يحمل رسالة إلى المسؤولين بكل فئاتهم لتنفيذ القرارات الحكومية على الأرض، وليس بالاكتفاء بالمواقف”.
لا غرابة في كلام السفير الأميركي، ولا في مواقف خصوم الحزب من السياسيين، بل الغرابة أيضاً في موقف رئيس الحكومة نواف سلام صبيحة العيد، حيث عايد اللبنانيين، والفئة المستهدفة من المكوّن اللبناني، بكلام قاسٍ، ليس حمّال أوجه، بل واضح وصريح، بأن “قرار الحكومة نزع سلاح المقاومة قائم، وبأي طريقة ممكنة”. والخشية أن يصل بعض أركان الحكومة إلى قناعة بأن الطريقة الوحيدة الممكنة، بنظرهم، هي طريقة “الكاوبوي الأميركي”، المليء تاريخه، البعيد نسبياً، بالمجازر والإبادة بحق سكان أميركا الأصليين، والقريب بالمجازر بحق العراقيين والأفغان وسواهم من الشعوب.
والأغرب أن يصدر مثل هذا الموقف في ظرف انقسامي خطير يعيشه البلد، ليس منذ حرب عام 2024 فحسب، بل منذ ما قبلها بكثير، وبصراحة منذ الكلام عن “ما بيشبهونا… ولكم جمهوريتكم ولنا جمهوريتنا”، والمواقف الاستفزازية التهكمية من عقيدة دينية مترسخة في وجدان المكوّن الأساسي… وغيرها من مواقف طفحت بها الشاشات ووسائل التواصل الاجتماعي.
وكان الأولى بمن يدّعي الخوف على مصير الوطن وسيادته أن يتّعظ من تاريخ لبنان الحديث، وخلاصته أنه لا يمكن إلغاء مكوّن لبناني بقرار خارجي أو داخلي، وأن يراقب مسار الأهداف الفعلية للحرب الأميركية القائمة حالياً في المنطقة، من الخليج إلى إيران ولبنان وسوريا والعراق. وجوهر هذه الأهداف هو السيطرة على النفط والغاز، وهو ما عبّر عنه مؤخراً الرئيس الأميركي دونالد ترامب بصراحة، عبر تلميحه إلى أن عينه على نفط “جزيرة خارك” الإيرانية، وهي جزيرة استراتيجية جيو ـ اقتصادية في الخليج تتحكم بتدفق 94 في المئة من النفط الإيراني نحو آسيا والصين ودول أخرى. وهذا ما فهمته إيران ودول الخليج العربي بسرعة، ولذلك طلبت منه عدم شنّ الحرب لأن نتائجها ستكون وخيمة على الجميع.. وفعلاً كانت وخيمة حتى على الأميركيين. وإذا كان النفط وعائداته ممنوعة على إيران، فستكون ممنوعة على العالم بأسره.
أبعد من ذلك، يكفي أن يفهم الداعون إلى السلام مع “إسرائيل” جوهر العقيدة الصهيونية، ومنها ما لخّصه نتنياهو قبل يومين بقوله: “إن السيد المسيح لا يتفوق على جنكيزخان، لأن القوة الكافية والوحشية الكافية تتغلبان على الخير دائماً”.
هل يتّعظ مسيحيو المنطقة عموماً ولبنان خصوصاً؟ فما قاله نتنياهو ليس زلة لسان، بل فلسفة في صلب العقيدة الصهيونية ـ التلمودية.














