| جورج علم |
دخلت “القضية اللبنانية” دائرة الاهتمام الأوروبي.
يعود الفضل إلى الفاتيكان، الصامت الأكبر. وتبقى فرنسا في الواجهة، لكن “القبطان” الذي يدير الدفّة يبقى محجوباً في قمرة القيادة.
نظرة الفاتيكان سيادية، ميثاقية، ثقافية، حدودها الحرص على “الوطن ـ الرسالة”.
أما نظرة أوروبا فمصلحية، يختصرها سؤال: أين نحن؟ ولماذا يبقى لبنان حكراً على الإسرائيليين والإيرانيين؟.
ما يسعى إليه الأوروبيون هو توفير الجواب الموضوعي والمقنع، وينطلقون من مسلّمات:
إن ما يجري هو تدمير ممنهج للبلد، وما يساعد على ذلك أن قرار الحرب والسلم مخطوف، وليس في حوزة الدولة، وأن المؤسسات الرسمية بالكاد تحبو، وليس لها من قدرة أو إمكانات، ولا حتى من دعم جدّي يُبنى عليه.
الوحدة الوطنية “بيزنس”، أو مجرّد “بورصة” تتراوح أسهمها صعوداً وهبوطاً طبقاً للمحاصصات.
إنها تعاني من مرض مزمن، لا يمكن معالجته بالمسكنات، ولا بدّ من عملية جراحية يخضع لها النظام الطائفي، القبائلي، المحسوبياتي. لكن الأوان.. ليس أوانه الآن!.
الولاء مزاج، وحيث تكون المصلحة يكون.
ثم هناك إضافات خارج المتداول حالياً.
يعرف الأوروبيون أحوال البلد “من طقطق إلى السلام عليكم”.
يعرفون عودة رئاسة الجمهورية والحكومة بعد فراغ طويل امتد لنيّف وسنتين. يعرفون حجم الفساد والفاسدين بالأسماء، والارتكابات. يعرفون الانهيار المالي والاقتصادي، و”مافيا” القطاع المصرفي.
يعرفون أن الذين نهبوا أموال المودعين لا يزالون يتحكّمون برقابهم. يعرفون أن الحرية في بلاد الأرز فوضى، وأن المساءلة والمحاسبة حكر على “الأوادم”، أو من لا “ظهر” له!.
كل هذا معروف، ويُبنى عليه، لأنه جعل الدولة “اليتيم” الأضعف بين الطرفين “المتعاونين” على هتك السيادة وتدمير البشر والحجر: الأول بحجّة إسناد “بلاد فارس”، والثاني بحجّة الدفاع عن مستعمراته وأمنه القومي.
والآن، ماذا يدور في أروقة الاتحاد الأوروبي؟
كانت زيارة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى بيروت لافتة، سواء من حيث التوقيت أو الخلاصات التي يُبنى عليها.
اطّلع الأوروبيون على الانطباعات التي عاد بها لرسم خريطة طريق، يسعون لأن تكون تحت المظلّة الأممية، بإشراف أميركي ـ أوروبي. يريدون التمسك بمجلس الأمن الدولي وقراراته الخاصة بلبنان، والعمل بجدية على وضعها موضع التنفيذ.
يسعون إلى اعتماد خيار من اثنين: إما إعادة النظر بمصير ومستقبل قوات “اليونيفيل” وتفعيل دورها، أو استبدالها بقوات أوروبية ـ دولية بإشراف الأمم المتحدة ومجلس الأمن.
ويكتسب خيار تفعيل “اليونيفيل” جدية بعد زيارة غوتيريش إلى بيروت. ويدور بحث حول إعادة النظر بالقرار 2790 الصادر عن مجلس الأمن الدولي نهاية آب الماضي، بحيث لا تنسحب هذه القوات نهاية هذا العام كما ينص القرار، بل يُصار إلى تجديد ولايتها، ونشرها في كل لبنان، حيث تقتضي الحاجة، لمساعدة الجيش والمؤسسات الأمنية الشرعية على استعادة قرار الحرب والسلم ليكون في عهدة الدولة.
جوهر ما يطمح إليه الأوروبيون:
• تحرير لبنان من “الكمّاشة الإسرائيلية ـ الإيرانية” التي تحاصره وتضغط عليه وتمعن في هتك سيادته وتقطيع أوصاله.
• حماية الدولة ومؤسساتها وتمكينها من أن تكون دولة بالفعل، تستعيد قرار الحرب والسلم، وتكون قادرة على وضع قراراتها موضع التنفيذ من دون خوف أو تردد أو استجداء.
لقد حذّر الأوروبيون من اجتياح إسرائيلي برّي. هذا، إن حصل، سيشكّل دفعاً كبيراً لخيار التفكك والتفتيت والشرذمة، وهزيمة مدوّية لمشروع الدولة، وانتصاراً لمشروع الدويلات.
إنهم يشرفون اليوم على مفاوضات “الأنابيب المتصلة” بعيداً عن الأضواء، وعلى مستويات رفيعة مع كلّ من لبنان و”إسرائيل” والولايات المتحدة والأمم المتحدة، وبعض مراكز القرار، تحت شعار: “أن يستعيد لبنان ما له، وتستعيد إسرائيل ما تشكو منه”، مع دفع الطرفين إلى تحديد “مواصفات اليوم التالي” للعلاقات والمصالح المشتركة.
وزير خارجية فرنسا جان نويل بارو في طريقه إلى بيروت، حاملاً معه سلة من الأفكار والمقترحات لتفعيل مبادرة رئيس الجمهورية جوزاف عون حول المفاوضات المباشرة وخارطة الطريق المرسومة.
لن يأتي وحده، بل بالتنسيق مع الأميركي. وإن تحققت الزيارة، فهذا يعني أن مظلة أميركية ـ أوروبية أصبحت قيد الإعداد، وظيفتها حماية المفاوضات وتنظيف خريطة الطريق من العوائق والعقبات للوصول إلى الأهداف المرسومة.
هناك حديث أميركي عن تكليف صهر الرئيس دونالد ترامب، جاريد كوشنير، ووالد صهره اللبناني مسعد بولس، بمواكبة الملف اللبناني ومسار المفاوضات.
لقد بلغت “القضية اللبنانية” مشارف الهوة السحيقة. ولم تعد المسألة مجرد صراع نفوذ واختبار أمزجة، بل هي أبعد وأعمق: هل يبقى لبنان أم ينهار ويتفتت الكيان؟ وهل تقوم دولة قوية قادرة وعادلة، أم تنهار لمصلحة الدويلات الشرهة؟
ولا ينطلق الأوروبيون من التزام أخلاقي فقط تجاه لبنان المدفوع دفعاً إلى خط الزوال، بل من التزام سياسي واقتصادي واستثماري، مصلحي بالدرجة الأولى.
قال أحدهم في تل أبيب مؤخراً بضرورة نسف الاتفاق البحري مع لبنان للاستئثار بحقول البترول من نفط وغاز.
ترى، أليس أحد أبرز أهداف الحرب المشتعلة السيطرة على البترول، ومنابع وممرات النفط والغاز؟!.














