spot_img
spot_img
الرئيسيةSliderحين يتوحّد الألم: هوية تتجاوز الجغرافيا

حين يتوحّد الألم: هوية تتجاوز الجغرافيا

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

| رندلى جبور |

على بطاقة الهوية، أنا من عميق البقاع الغربي، ولكن ذلك جزء من كل انتمائي.

أما اليوم، فأنا ابنة الجنوب.

وكل طلقة رصاص تخترق قلبي فأنزف.

وأشعر بأن سقفي مُشلَّع فوق رأسي.

أنسكب دماً مع كل شهيدة وشهيد، وينقبض صدري عند كل ضربة.

أرفع رأسي فخراً بكل خبر عن أبطال يشتبكون مع جنود العدو، وأبتسم عند كل صلية صاروخية تنطلق نحو الكيان المحتل.

أنا الجنوب الذي ينتظر التحرير، فأتنفّس حريتي الكاملة.

كل وطني اليوم يجب أن يكون بأوكسجين أقل من المعدل، إلى أن يصبح هواؤنا خالياً من روائح الصواريخ والفوسفور.

أنا المسيحية والمسلمة معاً، في إنسان لا يزال يعرف كيف يتعاطف، وكيف يُبقي ذرة وطنية وكرامة في أخلاقه.

أنا الإعلامية التي، عندما تزور مركز إيواء، يستقبلها النازحون اللبنانيون بابتسامة، ويبادرون إلى السؤال مباشرة: “شو بتشربي؟ بتاخدي قهوة؟ بتاكلي؟” بكرمهم وعزّتهم.

نحن المحتاجون، لا هؤلاء.. فهم مكتفون بصمودهم وقضيتهم وإيمانهم وثباتهم وعنفوانهم.

هم يوزّعون علينا معنويات نفتقدها حتى في عزّ ممارسة حياتنا اليومية العادية.

كيف لا أكون جنوبية، والجنوبيون بشموخهم وتواضعهم يعلّموننا معنى التجذّر في الأرض، ومعنى العطاء، ومعنى التضحية، ومعنى دفع الأثمان لا قبضها.

وأنا بقاعية، بكل النخوة والحميّة. بصوت عالٍ لا يخاف، وبنبض شجاع لا يتخاذل.

أنا رغيف الخبز المرقوق الذي يستوي تحت قنابل الأعداء، وأنا التي تنقص أنانيتها حين يتألم الآخر.

أنا التي أجتاز مسافات من الحدود إلى الحدود، لأقول لهم: أنا القلب النابض، ولست أطرافاً.

أنا الظهر الذي يحمي، والبطل الذي يذهب إلى الجبهة ويترك وصيته تحت وسادة بيته، الذي يعرف أنه لن يعود إليه.

أنا من لا يتنصّل من مسؤوليته في القتال، ولو كنت أبعد من الجنوب عن فلسطين المحتلة.

أنا الشهامة التي ترفض الذل، وفي كل زاوية بكيت ابناً أو أباً أو أخاً.

لا، لست خارجة عن الدولة، بل الدولة هي التي هجرتني، ومع ذلك أكملت مسيرة الدفاع عن وطني.

أنا من صدّرت السيد عباس إلى الشهادة، وكل يوم أقدّم مئة عباس وحسين وعلي ومحمد ومريم.

أنا الضاحية الأقرب إلى بيروت.

أنا التي لا يعرفونني إلا عندما يزورون أحيائي الحيّة، وشوارعي المملوءة بصور الشهداء.

أنا التي كلما هجّروني أعود وأبني من جديد، وفي كل مرة أكون أجمل وأقوى.

أنا الحارة التي يلعب فيها الصغار، والجاموس الذي يسير جالساً ولا يتمايع.

أنا بئر الأحرار والأسرار، وأنا ذاكرة السيد هادي والسيد حسن والسيد هاشم والحاج محمد، وحامية شهادتهم وحافظة قيمهم.

أنا لا أُخيف… هم جعلوني هكذا زوراً.

أنا أستقبل الجميع في محلاتي التجارية والمقاهي والمطاعم، بذات النفس الشهي.

أنا اليوم مهجّرة، ولكنني حتماً سأعود، وسأكون منتصرة، وسأكمل المسيرة.

وإذا ما هدموني مرة أخرى، سأقاوم، وسأعود لأبني.

ومن لا يشعر اليوم أنه كل هؤلاء، فإنه منقوص الوطنية والإنسانية.

للانضمام إلى مجموعة “الجريدة” إضغط على الرابط

https://chat.whatsapp.com/D1AbBGEjtWlGzpr4weF4y2?mode=gi_t

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

شريط الأحداث

spot_img
spot_img