spot_img
spot_img
الرئيسيةSliderعلي لاريجاني "رجل الظلّ" في إيران: "حارس" الاستمرارية و"مهندس" التسويات

علي لاريجاني “رجل الظلّ” في إيران: “حارس” الاستمرارية و”مهندس” التسويات

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

يُصنَّف علي لاريجاني ضمن الجيل الثاني من رجال الدولة في إيران بعد الثورة الإسلامية الإيرانية 1979، جيلٌ لم يشارك في إسقاط النظام الملكي بقدر ما انشغل لاحقاً بإدارة الدولة وترسيخ مؤسساتها. ومن هنا، تبدو شخصيته أقرب إلى “التكنوقراطي السياسي” الذي يجمع بين الخلفية الأيديولوجية والقدرة على المناورة داخل بنية معقّدة ومتشابكة.
ويُعدّ علي لاريجاني واحداً من أبرز وجوه النخبة السياسية في إيران خلال العقود الأخيرة، إذ جمع بين الخلفية الفكرية المحافظة والبراغماتية السياسية التي مكّنته من لعب أدوار محورية في مفاصل القرار.

وُلد لاريجاني عام 1957 في مدينة النجف لعائلة دينية معروفة، قبل أن تستقر في قم، حيث تشكّلت ملامح تكوينه الفكري. درس الفلسفة في جامعة طهران، واهتم مبكراً بالفكر الإسلامي والسياسي، ما انعكس لاحقاً في أسلوبه الذي يميل إلى المزج بين الخطاب الأيديولوجي والقراءة الواقعية لموازين القوى.

بدأ لاريجاني مسيرته في مؤسسات الدولة الناشئة بعد الثورة الإسلامية الإيرانية 1979، متنقلاً بين مواقع إدارية وأمنية، إلى أن برز اسمه بقوة خلال تسعينيات القرن الماضي عندما تولّى رئاسة هيئة الإذاعة والتلفزيون الرسمية. في هذا الموقع، لم يكن مجرد مدير إعلامي، بل أحد مهندسي الخطاب الرسمي، حيث عمل على إعادة صياغة الرسالة الإعلامية بما يخدم تماسك النظام في مرحلة ما بعد الحرب مع العراق، ويعكس في الوقت نفسه توازنات الداخل الإيراني.

التحوّل الأهم في مسيرته جاء مع تعيينه أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي عام 2005، وهو المنصب الذي وضعه في قلب الملفات الاستراتيجية، وفي مقدّمها البرنامج النووي. خلال تلك المرحلة، قاد جولات تفاوضية مع القوى الغربية، مقدّماً نفسه كوجه “براغماتي” قادر على الجمع بين ثوابت النظام ومتطلبات التفاوض. إلا أن خلافاته مع الرئيس آنذاك محمود أحمدي نجاد أدت إلى استقالته عام 2007، في محطة عكست مبكراً تباينات داخل المعسكر المحافظ نفسه.

في العام التالي، انتقل لاريجاني إلى رئاسة مجلس الشورى الإسلامي، حيث أمضى اثني عشر عاماً (2008–2020) رسّخ خلالها موقعه كأحد أبرز أعمدة السلطة التشريعية. وفي تلك المرحلة، نسج علاقات معقدة مع مراكز القوة المختلفة، بما في ذلك مكتب المرشد الأعلى علي خامنئي، ومع حكومات متعاقبة، من بينها حكومة حسن روحاني، التي أظهر تجاهها دعماً حذراً، لا سيما في ما يتعلق بالاتفاق النووي. في البرلمان، لعب دور الوسيط بين التيارات المختلفة، محافظاً على خيط دقيق بين الولاء للمؤسسة العليا، ممثّلة بالمرشد علي خامنئي، وبين الانفتاح النسبي على سياسات أكثر اعتدالاً، خصوصاً خلال عهد حسن روحاني. وقد برز هذا الدور بوضوح في دعمه للاتفاق النووي عام 2015، حيث ساهم في تمريره داخل البرلمان رغم معارضة شرسة من التيار المتشدد.

ينتمي لاريجاني إلى واحدة من أكثر العائلات نفوذاً في إيران؛ فشقيقه صادق لاريجاني تولّى رئاسة السلطة القضائية، فيما شغل شقيقه الآخر محمد جواد لاريجاني مواقع دبلوماسية وفكرية بارزة. وقد عزّز هذا الامتداد العائلي من حضوره داخل بنية النظام، لكنه في الوقت نفسه وضعه تحت مجهر خصومه الذين رأوا فيه جزءاً من “النخبة التقليدية” التي تحتكر مفاصل القرار.

ورغم انتمائه إلى التيار المحافظ، لم يكن لاريجاني أسير خطاب أيديولوجي صارم، بل سعى إلى تقديم نفسه كجسر بين المحافظين والإصلاحيين، أو على الأقل كقناة تواصل غير معلنة بينهما. هذا التموضع الوسطي جعله عرضة لانتقادات من الجانبين: المحافظون اتهموه بالمرونة الزائدة، والإصلاحيون رأوا فيه جزءاً من بنية السلطة التي تعيق التغيير. ومع ذلك، لم يكن مساره خالياً من التحديات، إذ شهدت علاقته ببعض التيارات المحافظة توترات، خصوصاً مع صعود الخطاب الشعبوي في عهد محمود أحمدي نجاد.

في السنوات الأخيرة، بدا لاريجاني أقرب إلى موقع “رجل التوازنات” داخل النظام الإيراني، يجمع بين الولاء للمؤسسة الحاكمة والقدرة على مخاطبة الخارج بلغة أقل حدّة. وقد أثار استبعاده من الترشح للانتخابات الرئاسية عام 2021 بقرار من مجلس صيانة الدستور، في خطوة فُسّرت على نطاق واسع بأنها مؤشر إلى تحوّل داخل النظام نحو تضييق هامش التعددية حتى داخل المعسكر المحافظ نفسه. غير أن هذا الاستبعاد لم ينهِ حضوره، بل أعاد تموضعه في الخلفية، حيث يُنظر إليه كأحد “رجال الظل” القادرين على لعب أدوار استشارية أو توفيقية عند الحاجة.

في المحصلة، لا يمكن فهم مسار علي لاريجاني بمعزل عن طبيعة النظام الإيراني ذاته: نظام يقوم على توازنات دقيقة بين مؤسسات منتخبة وأخرى غير منتخبة، وبين أجنحة أيديولوجية وبراغماتية. وفي هذا السياق، يبرز لاريجاني كسياسي يجيد العمل داخل هذه التوازنات، لا كصانع تحوّلات كبرى، بل كحارس للاستمرارية، ومهندس للتسويات التي تُبقي النظام قائماً وقادراً على التكيّف.

بهذا المعنى، يمكن النظر إلى علي لاريجاني بوصفه نموذجاً لسياسي إيراني تقليدي، يتقن العمل داخل منظومة معقّدة، ويجيد التكيّف مع تحوّلاتها، من دون أن يفقد موقعه في قلبها.

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

شريط الأحداث

spot_img
spot_img