spot_img
spot_img
الرئيسيةSlider"المبادرة الفرنسية".. والكيان المتداعي في "مهبّ الريح"!

“المبادرة الفرنسية”.. والكيان المتداعي في “مهبّ الريح”!

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

| جورج علم |

تكتسب المبادرة الفرنسيّة أهميّة:
كونها أول مبادرة تُطرح لوقف إطلاق النار، والحدّ من الخسائر، ومنع “القضيّة اللبنانيّة”  من الانزلاق نحو مهاوٍ قاتلة لا عودة سليمة منها.

كونها صادرة عن دولة صديقة، صاحبة حق النقض “الفيتو” في مجلس الأمن الدولي، ولها كتيبة عسكريّة في عداد القوات الدوليّة “اليونيفيل” العاملة في الجنوب، وكانت “الأمّ الحنونة” للبنان، ويربطها “إرث تاريخي” بالكيان.

كونها مبادرة منسّقة مع الولايات المتحدة، والعديد من دول الاتحاد الأوروبي.

كونها موضوعيّة، غير “متفلسفة”. واضحة العرض، تستند إلى قرار مجلس الوزراء المتصل بحلّ الجناح العسكري لـ”حزب الله”. وتطالب بـ”حصريّة السلاح”، مقابل إلزام “إسرائيل” بتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، وإطلاق ديناميّة الحوار لمعالجة كل الملفات المفتوحة.

وتكتسب أهميتها أيضاً من عاملين:

الأول: لم يحدث بعد أي تغيير جيوسياسي ـ ديمغرافي، كاجتياح برّي واحتلال للأراضي، أو فرض أمر واقع مصيري بقوة السلاح والهيمنة.

والثاني: لم تأتِ بأفكار جديدة مستوردة، بل تنطلق من مسلّمات لبنانية داخلية لا يزال لها نبض، كالتمسك باتفاق الطائف، واتفاق الهدنة (آذار 1949)، والقرار الدولي 1701 (آب 2006)، واتفاق وقف إطلاق النار (26 تشرين الثاني 2024).

ورغم وضوحها، تبقى طريقها مزروعة بألغام كثيرة، ويبقى اللغم الأكبر والأخطر الارتباط الوثيق بين الزلزال التغييري الذي يضرب إيران وتردداته في لبنان.

وبديهي جداً أن يكون الحوار مع الدولة اللبنانية، كونها المرجعية الدستورية والقانونية والميثاقية، صاحبة الحق في تمثيل كل لبنان وكل اللبنانيين دفاعاً عن مصالحهم وعن مصير وطن وكيان وشعب ومؤسسات. وهذا ما تحاكيه المبادرة، وتستند إليه، وتأخذه بعين الاعتبار. إلا أن عقدة النقص المستفحلة هي التي تتحكم بمسار التعطيل.

فالدولة لا تملك قرار الحرب والسلم، وهذا ما يؤكد عليه من أدخل البلد في أتون حرب إسناد جديدة، مكلفة وهادفة إلى تغيير خرائط ورسم جغرافيات على قياس مصالح دولية نهمة.

من تفرّد بقرار الحرب والسلم ضابط غريب عن البيئة اللبنانية، مستورد، تستّر بعباءة حزبية ليشرف الإيراني على ترسانة صواريخه ومسيّراته المخبأة في مستودعات محليّة، ليفعّل صواعقها وفق مصلحة بلاده.

إنه ظلّ عباءة صاحب الكلمة النافذة التي لا تُرد. القرار عنده في الإقدام أو الإحجام، كونه المفوّض المطلق الصلاحيات في تفعيل الراجمات، وفق ما يتناهى إليه من إملاءات.

وهذه السرديّة يعرفها الإسرائيلي، ويحاول بأظافره الحادة أن ينهش جسم المبادرة الفرنسيّة لشلّ قدراتها والقضاء عليها، من خلال تحميل السلطة اللبنانية مسؤولية الإقدام على وضع قرار مجلس الوزراء القاضي بحلّ الجناح العسكري للحزب موضع التنفيذ، وإلا فالآتي أعظم، وربما الذهاب نحو تدمير البنى التحتيّة وإعادة لبنان إلى العصر الحجري!
ويفيد الأميركي من جانبه بأنه رسمل مبادرة الرئيس إيمانويل ماكرون، وتجاوب مع طلب رئيس الجمهورية جوزاف عون، ومنع “إسرائيل” – لغاية كتابة هذه السطور – من تدمير المطار والمرفأ وشبكة الكهرباء والمواصلات وخزانات الوقود وسائر البنى التحتيّة، مقابل أن تؤكد الدولة أنها سلطة بالفعل وقادرة على وضع قراراتها موضع التنفيذ.

لكن ما الحيلة إذا كانت “السلطة الثوريّة المستوردة” أقوى من إمكانات الدولة الطريّة العود!
وانطلاقاً من هذه “المستعصيات” الماثلة، تسلك المبادرة الفرنسيّة قنوات دبلوماسيّة متنوعة كي تمتلك عناصر الدفع الكافية التي تؤهلها للانتقال من التنظير إلى التقرير.

القناة الأولى أوروبية: هناك “عمارة” أمنية أوروبية بدأت تتشكّل مداميكها حجراً بعد حجر من قبل أربع دول: فرنسا، ألمانيا، بريطانيا، وإيطاليا، وربما يلتحق الإسبان بالركب بعد “إصلاح أمرهم” مع كل من إدارتي دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، بسبب امتناع رئيس الوزراء بيدرو سانشيز عن تأييد الحرب الأميركية – الإسرائيلية إيران.

هذه “العمارة” لها أساساتها ومرتكزاتها في الجنوب انطلاقاً من قوات “اليونيفيل”، وسيكون لمصالحها شرفات مطلّة على الشرق الأوسط انطلاقاً من لبنان بعد انسحاب “اليونيفيل”.

القناة الثانية أميركية متفهّمة: إن “أميركا أولاً” لا يمكن أن تكون “أولاً” في الشرق الأوسط الجديد من دون الحلفاء. صحيح أن هناك الكثير الذي يباعد حالياً بين ضفتي الأطلسي، لكن الرئيس ترامب، وفي ذروة “عنجهيته”، اعترف وأقرّ بأهمية الدعم الأوروبي لمغامرته العسكرية في الشرق الأوسط، وألقى باللوم على رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر لأنه لم يلعب الدور الذي لعبه “تشرشل”.

كما صبّ جام غضبه على رئيس الوزراء الإسباني لوقوفه على الحياد.

القناة الثالثة استدراكية: ذلك أن المحاولات الناشطة حالياً وراء الكواليس تهدف إلى تلقيح “المبادرة” بالمقويات كي تكون مؤهلة ومتمكنة من التعاطي مع رياح الفوضى العارمة التي بدأت تهبّ على المنطقة من مسارب عدة.

والخطير المتداول في كواليس دبلوماسية أن الحرب لن تنتهي إلا على وقع فوضى عارمة، سواء تمكن النظام من الصمود في طهران أو حصل التغيير.
ما يفعله الإسرائيلي، بالتنسيق مع الأميركي، هو تمزيق الجغرافيا الإيرانية، وإحياء صراع الفئويات والقوميات، واستحضار رواسب التاريخ وتقاطعات الجغرافيا، وتأمين المناخات المؤاتية لاستغلال حقول النفط والطاقة، ووضع اليد على الثروات المعدنية والإمكانات الاقتصادية.

ولن تقتصر الفوضى على إيران، بل ستضرب رياحها العاصفة الشرق الأوسط، ولبنان ضمناً، وهذا ما يرسم علامات استفهام كبرى حول مصير الكيان والبنيان الفسيفسائي الطائفي المذهبي غير المتماسك.

أهمية المبادرة الفرنسية تكمن هنا. هدفها تحييد لبنان عن عاصفة الفوضى العارمة، وحماية الكيان المتداعي من السقوط.

… لكن هل يُكتب لها النجاح؟ هنا السؤال التحدّي.

للانضمام إلى مجموعة الجريدة اضغط على الرابط

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

شريط الأحداث

spot_img
spot_img