| غاصب المختار |
خاض دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو حروبهما في الشرق الأوسط تحت عنوان كبير هو “تغيير وجه المنطقة”، ومنه تفرعت لاحقاً عناوين أخرى، مثل اقتصاد المنطقة والتطبيع مع دولها، وصولاً إلى “الهدف الأسمى” لرئيس حكومة كيان الاحتلال بإقامة “الحلم التوراتي لإسرائيل الكبرى”، مع توسيع حدودها لتشمل بعض مناطق شمال أفريقيا والخليج.
وفي حين اعتمد ترامب المراوغة والكذب في موضوع التفاوض مع إيران أول مرة قبل العدوان عليها منذ أشهر قليلة، عاد فاعتمد الأسلوب نفسه أمس في عدوانه المشترك مع “إسرائيل” على إيران. بينما كان نتنياهو أكثر صراحة في التعبير عن رفض التفاوض، وتحفيز الإدارة الأميركية على إنهاء النظام الإيراني، ولاحقاً – أو بالتوازي – كل “أذرعه في المنطقة”، ولا سيما “حزب الله” في لبنان.
لكن التجربة الأولى في ضرب إيران لم تحقق النتائج المرجوة. وفي جولات التفاوض الأخيرة طرحت الإدارة الأميركية، عبر المفاوضَين ويتكوف وكوشنر، شروطاً كانت تعلم أنها تعجيزية ولن تقبل بها طهران. وخلال الجولات الثلاث الأخيرة كان يُعِدّ العدة للحرب، برغم تحذيرات إيران من أن الرد هذه المرة سيكون أقسى، وبرغم تحذيرات دول الخليج من أن أي عدوان جديد قد لا ينتهي على خير.
وفعلاً، جاء الرد الإيراني أقوى، وشمل كل القواعد الأميركية في دول الخليج، وتم وقف الملاحة البحرية في مضيق هرمز، وقد تتعرض الأساطيل الأميركية في مياه الخليج وغيرها لقصف مباشر.
“إسرائيل” وأميركا أعلنتا أن هدف هذا العدوان هو إسقاط النظام الإيراني كمقدمة لإسقاط كل المحور المتحالف معه. لكن رد الفعل الإيراني، برغم عنف الضربات وتأثيرها المباشر على القيادة الإيرانية بخسارة بعض قيادييها، أظهر أن تغيير وجه المنطقة ليس بالأمر اليسير، وأن بداية إسقاط المشروع قد تكون من إيران، غير أن أحداً لا يدري من أين سيأتي الرد أيضاً، أو كيف سيتدرج إذا طال أمد العدوان.
كما أن إسقاط النظام من الداخل فشل أكثر من مرة، سواء عبر الحصار المستمر منذ سنوات، أو عبر العدوان الأول، أو عبر تنظيم احتجاجات شعبية واسعة قوبلت بتظاهرات مليونية مؤيدة للنظام، تردد أن عدد المشاركين فيها فاق 30 مليون شخص في مختلف مناطق إيران، بحسب الإعلام الإيراني. ومن لم يزر إيران لا يعلم بدقة كم أن هذا النظام متجذر لدى أكثرية فاعلة في الشعب الإيراني. ولو غاب قائد أو مسؤول، فهناك بدائل جاهزة دوماً لمواصلة المسيرة.
قد تُسهم السياسة الأميركية – الإسرائيلية في إحداث بعض التغيير في وجه المنطقة، كما حدث في سوريا مثلاً، لكن هذا التغيير قد يكون إلى الأسوأ، لا إلى الأفضل الذي يخدم مشاريع هذه السياسة المزدوجة المشتركة. إذ إن فرض الحلول بالقوة والحرب وإراقة الدماء والحصار لتجويع الشعوب لا يجلب السلام ولا الازدهار الاقتصادي الذي وعد به ترامب. وقد تبين أنه لا يهدف سوى إلى تعويم الاقتصاد الأميركي، وبخاصة الشركات والكارتيلات الكبرى التي يرتبط معها بعلاقات مصالح متبادلة، بينما بقية قطاعات الاقتصاد تعاني، والبطالة ترتفع وكذلك نسبة التضخم، بحسب المعطيات الأميركية.
إن تغيير وجه المنطقة بهذا الأسلوب غير الديمقراطي قد يُنتج ردود فعل عكسية، بحيث تعم الفوضى بدل السلم والازدهار، وقد تتكتل دول وجهات وحركات إقليمية معينة – ولو كانت قليلة – لمواجهة هذه السياسة الاستعمارية الأميركية الجديدة الآتية بوجه مختلف. وبعد التجارب المريرة للإدارة الأميركية الحالية مع دول العالم في أوروبا وأميركا اللاتينية والصين وغيرها، لا ينبغي أن يعتقد أحد أن بمقدور ترامب تغيير وجه العالم. بل ربما يأتي التغيير من داخل النظام الأميركي في الانتخابات الرئاسية المقبلة، ومن داخل النظام الصهيوني الذي يعاني أيضاً أزمات وانهيارات، لكنه يستمر بفعل الحروب التي ستتوقف عاجلاً أم آجلاً.













