
| رلى إبراهيم |
«أوبتيموم إنفست»؛ اللغز الذي يسمع عنه اللبنانيون منذ سنوات، من دون أن تتكشّف خيوطه بعد. شاعَ اسم الشركة للمرة الأولى في تقرير التدقيق الجنائي، الذي أعدّته شركة «ألفاريز أند مارسال»، حين كشفت عن عمليتين مشبوهتين بين الشركة ومصرف لبنان، هندسهما ونفّذهما الحاكم السابق رياض سلامة.
يومها حُكي عن تبادل الطرفين قرابة 8 مليارات دولار، على شكل عمولات يتم إيداعها في حساب ثالث، هو حساب الاستشارات الشهير. إلّا أن الحاكم امتنع عن تزويد شركة التدقيق الجنائي بداتا الحساب، فبقي الأمر لغزاً، ولا سيما أن أحداً لم يجرؤ على الضغط عليه لتسليم المعلومات. الواقع أن سلامة تعامل طوال سنوات عهده مع حساب الاستشارات على أنه المغارة التي يُخفي فيها كل موبقاته، والتي لا تخضع لأي قانون أو تدقيق محاسبي.
لذا، لم يتردّد في استخدامه كحساب خاص يموّل منه كل ما يخطر على باله. سريعاً تحوّل الحساب إلى صندوق باندورا، لا أحد يعرف ما يدخل إليه أو يخرج منه. للإنصاف، لم يكلّف أي مسؤول في الحكومات المتعاقبة نفسه من الأساس، للاستيضاح عن هذا الحساب – المتاهة. فهؤلاء كان كل همهم أن يأكل الحاكم ويطعمهم.
هكذا، انتفعت شبكة كاملة من السياسيين ورجال الأعمال والقضاة والمحامين والسماسرة والأمنيين والنافذين والتجار وكل من يخدم استمرارية عمل سلامة، ويضمن بقاء النظام الذي يديره قائماً.
وكان من البديهي أن تشمل الامتيازات أفراد عائلته وأصدقاءه وصديقاته ومن يعملون لديه. في البداية، أنشئت شركة «فوري» التي أدارها شقيقه رجا سلامة، وعملت في ظل الحاكم حتى عام 2015، حين كثرت الشبهات حولها، ولا سيما مع عدم القدرة على تبرير المبالغ المُحوّلة من مصرف لبنان إلى حسابها في سويسرا، نتيجة عملها كـ«وسيط مالي».
عندها أخرج الحاكم شركة «أوبتيموم» إلى الضوء لتحلّ مكانها، وللمصادفة كانت الشركة التي يملكها أنطوان سلامة قد غيّرت تصنيفها عام 2014، لتصبح مؤسسة مالية، وتوسّع أنشطتها لتشمل خدمات الاستشارات المالية، وتصبح بالتالي مُخوّلة للعمل مع المصرف المركزي.
بين عامي 2015 و2018، قامت الشركة بـ 45 عملية موّلها مصرف لبنان بنفسه، إذ أقرض «أوبتيموم» تلك الأموال لشراء شهادات إيداع أو سندات خزينة منه، لتقوم الشركة بإعادة بيعها للمصرف المركزي في اليوم نفسه، ما أدّى إلى تحقيق أرباح فورية كبيرة. بلغت الأرباح الناتجة من هذه العمليات نحو 8.15 مليارات دولار، في حين حصلت «أوبتيموم» على 537 ألف دولار فقط كعمولات خدمات، أي ما نسبته نحو 0.01% من مجموع الأرباح، بينما عادت نسبة 99.99% من هذه الأرباح إلى مصرف لبنان.
الحاكم ورئيس الحكومة شاهدا زور؟
ما سبق ليس استنتاجاً أو تحقيقاً لم يكتمل بعد، إنما وقائع ذكرها رئيس الحكومة نواف سلام في معرض ردّه على سؤال نيابي تقدّم به النائبان مارك ضو وميشال الدويهي حول شركة «أوبتيموم».
اللافت أن الجواب الحكومي نقل التوضيحات التي حصل عليها من حاكم مصرف لبنان الحالي كريم سعيد، الذي عقد مؤتمراً صحافياً قبل أكثر من شهر، أكّد فيه نيته الادّعاء على هذه الشركة وكل من يُظهِره التحقيق متواطئاً. غير أنه لم يدَّع عليها بعد لأسباب مجهولة، رغم امتلاكه كل المعلومات عن العملية الاحتيالية التي نتجت منها أموال سجّلها سلامة كأرباح وهمية، بمعنى أنها غير موجودة سوى على دفتر اخترعه بنفسه. وقد جاء في الردّ أن هذه الأموال استُخدمت لإطفاء الخسائر المُحقّقة المُسجّلة في بند أصول أخرى في مصرف لبنان.
وفي كل عملية كان مصرف لبنان يمنح شركة «أوبتيموم» قرضاً بالليرة اللبنانية لشراء أدوات مالية محدّدة، ثم في اليوم نفسه تعيد الشركة بيع هذه الأدوات إلى مصرف لبنان بالقيمة الكاملة. أدّت هذه العمليات إلى جمع نحو 12.1 تريليون ليرة لبنانية، فيما احتفظت الشركة بنحو 860 مليون ليرة، أي ما يقارب 573 ألف دولار.
كذلك، أفاد سعيد بأنه أجرى تدقيقاً داخلياً جنائياً خاصاً (SIFA)، تمّ التأكيد فيه أن سلامة استخدم 98.45% من هذه الأموال للغرض المقصود، أي إطفاء الخسائر المؤجّلة، في حين تمّ تحويل نحو 176.7 مليار ليرة، أي قرابة 118 مليون دولار إلى حسابات أخرى «لدعم نشاطات مختلفة وكبدلات استشارات ولأغراض أخرى غير واضحة». ويضيف سعيد أنه يقوم بإجراء تحقيقات إضافية لتجديد المستفيدين النهائيين من هذه التحويلات و«تقييم مشروعيتها». والسؤال هنا: من هم أصحاب هذه الحسابات؟
وأي نوع من النشاطات كان يموّله سلامة على حساب الدولة؟ والأهم، لماذا لم يكشف سعيد بعد عن هوية هؤلاء، طالما أن المصرف بقيادته وكل الداتا بحوزته، وسبق له أن أجرى تدقيقاً جنائياً في هذه القضية؟ وما الذي يؤخّر الادعاء على «أوبتيموم» وسلامة وغيرهما أمام النيابة العامة المالية؟
هل يخشى الحاكم الكشف عن أسماء المستفيدين من مكارم سلفه؟ وهل يخضع لضغوطات تحول دون تحويله الملف إلى القضاء؟ ذلك لغز آخر يفترض على رئيس الحكومة وسعيد توضيحه للرأي العام والمودعين على حدّ سواء، وإلّا تحوّلا إلى شاهدَيْ زور في هذه الجريمة. في وقت يتمتع «بطل» هذه اللعبة، رياض سلامة، بالأموال التي جناها، ويقيم في فيلته في منطقة الصفرا، مطمئناً إلى أن ما من ملف يصل إلى خواتيمه.
ومن المهم الإشارة هنا إلى أن الحاكم الحالي كشف عن معلومة قيّمة في معرض ردّه على السؤال النيابي، إذ أفاد بأن نحو 33 مليون دولار من الـ 118 مليوناً، حُوّلت إلى الهيئة العليا للإغاثة لدفع حصة لبنان من كلفة المحكمة الدولية الخاصة به. وتلك قصة أخرى تتطلّب تفسيراً حول استخدام أموال المودعين في تسديد هذه التكاليف.
توصية ضدّ «أوبتيموم» منذ 2016
في عام 2016، أخفى حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة في درج مكتبه تقريراً صادراً عن هيئة الأسواق المالية، يتحدّث عن عمليات مشبوهة ومخالفات قامت بها شركة «أوبتيموم»، موصياً بوقف تعامل مصرف لبنان والمصارف معها.
اللافت أن هذا التقرير صدر بعلم سلام، فهو من موقعه كحاكم مصرف لبنان يترأّس هيئة الأسواق المالية، وبطبيعة الحال أُوقف ولُفلف بطلب منه. نام الملف بعدها لسنوات إلى أن أعادته شركة التدقيق الجنائي «ألفاريز» إلى التداول عبر حديثها عنه، ومن ثم شركة «كرول» التي كلّفتها شركة «أوبتيموم» نفسها بتدقيق حساباتها عند انتقال إدارة الشركة من جهة إلى أخرى.













