الأربعاء, فبراير 25, 2026
spot_img
spot_img
spot_img
الرئيسيةSliderبكاء ونحيب.. وليس من مستجيب!

بكاء ونحيب.. وليس من مستجيب!

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

| جورج علم |

هل هو مجرّد كلامٍ استفزازيٍّ ذهب مع الريح، أم ريحٌ استفزازيّة – توسعيّة تعرّي الكلام؟!

قبل أيام قال المعلّق المحافظ تاكر كارلسون: “إن الكتاب المقدّس يشير إلى أن نسل إبراهيم سيحصل على أراضٍ تشمل اليوم عمليًّا معظم الشرق الأوسط، بما في ذلك أجزاء من الأردن، وسوريا، ولبنان، والعراق، ومصر”، مقتبسًا من “الإصحاح 15” من “سفر التكوين”.

وسُئل كارلسون سفير الولايات المتحدة لدى “إسرائيل” مايك هاكابي إن كان لـ”إسرائيل” حقٌّ في تلك الأراضي؟
فأجاب هاكابي: “سيكون الأمر على ما يرام لو أخذوها كلّها”.

ثارت ثائرة الدول العربيّة والإسلاميّة، وأصدرت 14 دولة، وهيئة، ومنظمة عربيّة وإسلاميّة بيانًا مشتركًا شديد اللهجة ردًّا على تصريح السفير الأميركي.

وشدّد البيان على أن “هذه التصريحات تتعارض بشكل مباشر مع الرؤية التي طرحها الرئيس دونالد ترامب، وكذلك مع الخطة الشاملة لإنهاء النزاع في غزّة، والتي تقوم على احتواء التصعيد، وتهيئة أفق سياسي لتسوية شاملة تكفل للشعب الفلسطيني إقامة دولته المستقلّة”.

لم يحرّك ترامب ساكنًا لامتصاص الغضب العربي – الإسلامي. لم يبادر وزير خارجيته ماركو روبيو إلى التوضيح والتصحيح، بل اكتفى المتحدّث باسم السفارة الأميركيّة في القدس بالقول: “إن تصريحات هاكابي أُخرجت من سياقها، وإنه لا يوجد تغيير في سياسات الولايات المتحدة تجاه إسرائيل”.

توضيحٌ أقبح من ذنب. وبقي على العرب والمسلمين معرفة ما المقصود من عبارة “أُخرجت من سياقها”، ومدى جدّية الحماية التي توفّرها “سياسات الولايات المتحدة تجاه إسرائيل” لمصالحهم الوطنيّة والقوميّة، وفي الطليعة الدولة الفلسطينيّة والحقوق المشروعة.

مرّت أيام على بيان الاستنكار، ومرّت معها العاصفة. وساد الصمت في العالم العربي والإسلامي، وكأن شيئًا لم يكن، وعاد كبار المسؤولين إلى غرفة “العناية الفائقة” يتتبّعون تطوّرات الأوضاع في إيران وحولها، ويقدّمون عروضًا للرئيس ترامب بمليارات الدولارات كي لا يضغط على “زرّ الحرب” على إيران، لأنها ستكون مدمّرة، وترتدّ عليهم، وعلى أنظمتهم، ودولهم بعواقب وخيمة.

وإذا كانت “عاصفة هاكابي” قد انتهت عند الحدود التي انتهت إليها على مستوى العالم العربي والإسلامي، فإنها لم تنتهِ عند اليمين اليهودي – الإسرائيلي المتطرّف. إنها مجرّد “قنبلة صوتيّة” تذكّر من “يهمّهم الأمر”، وتؤكّد على حتميّة مسار تاريخي – أيديولوجي مستمر في تحقيق الأهداف المرسومة.

توجّه العرب والمسلمون إلى الرئيس ترامب كي “يردع” سفيره. لكن ترامب وإدارته يعرفان بأن السفير إنجيلي – يهودي، وداعم قويّ لـ”إسرائيل”، ولحركة الاستيطان في الضفة الغربيّة، ويعارض بقوّة فكرة “حلّ الدولتين”، ولأنه كذلك جرى تعيينه ليكون بتصرّف بنيامين نتنياهو وطموحاته التوسّعيّة.

والتاريخ لا يرحم. وعاصفة الاعتراض على تصريحات هاكابي سبق أن عصفت ضد نتنياهو، ولم تترك أثرًا ولا غبارًا.

ففي 12 آب 2025، وخلال مقابلة مع قناة “I24 News”، أهدى المذيع اليميني المتطرّف شارون غال نتنياهو قلادة تحمل خريطة لـ”أرض الميعاد” بحدود موسّعة، تشمل فلسطين المحتلة، وأجزاء من الأردن، ولبنان، وسوريا، ومصر. وعندما سأله إن كان يشعر بـ”ارتباط” بهذه الرؤية، أجاب نتنياهو بحزم: “جدًّا”. وأضاف إنه يقوم “بمهمة تاريخيّة روحانيّة لتحقيق أحلام أجيال متعاقبة مع الشعب اليهودي”.

والحقيقة أن نتنياهو لم يأتِ بجديد. إنه يتبنّى نظرية تيار “الصهيونيّة التصحيحيّة” بقيادة زئيف جابوتنسكي – الأب الروحي لتيار “الليكود” الذي ينتمي إليه نتنياهو – بهدف قيام “إسرائيل الكبرى”، باعتبار أن الوطن القومي اليهودي يجب أن يمتدّ ليشمل كامل فلسطين التاريخيّة بما فيها الضفة وغزّة، إضافة إلى شرق الأردن.

أثار تصريح نتنياهو يومها موجة واسعة من الاستهجان والاستنكار في العالمين العربي والإسلامي، ولكن الكلام ذهب مع الريح، فيما استمرّت الريح التوسّعيّة تفعل فعلها في الجغرافيا العربيّة – الإسلاميّة.

لم يكن تصريح نتنياهو وهاكابي مجرّد هفوة لفظيّة، بل إفصاحًا متعمّدًا عن مشروع أيديولوجي راسخ ظلّ حاضرًا في الفكر والسياسة الإسرائيليّة، يتجدّد كلما سنحت الظروف الإقليميّة والدوليّة.

وفي عودة إلى الوقائع التاريخيّة، سيطرت “إسرائيل” بعد حرب حزيران 1967 على الضفة الغربيّة وقطاع غزّة والقدس الشرقيّة، إلى جانب سيناء والجولان. وأعادت سيناء إلى مصر بموجب اتفاق كامب ديفيد عام 1979، لكنها ضمّت القدس الشرقيّة والجولان رسميًّا بقوانين آحاديّة رفضها المجتمع الدولي.

وفي تموز 2025 صوّت الكنيست بأغلبيّة لصالح قرار يدعم ضمّ الضفة الغربيّة، إضافة إلى قانون أقرّته حكومة نتنياهو في العام 2023 كرّس “السيادة القانونيّة” الإسرائيليّة على المستوطنات.

التاريخ لا يرحم

يتوجّه قادة الدول العربيّة والإسلاميّة إلى الرئيس ترامب كي ينصف ويعدل ويردع الطموح الإسرائيلي – التوراتي. لكن ترامب نفسه هو الذي سمح لنتنياهو بضمّ القدس الشرقيّة، وهو من نقل السفارة الأميركيّة من تل أبيب إلى القدس، وهو من بارك لنتنياهو ضمّ الجولان السوري، وهو من يرعى ويدعم العدوان الإسرائيلي المستمر على لبنان وسوريا، ما يؤكّد تطابقًا في الأفكار والمخططات الإسرائيليّة التوسّعيّة، لكن هذه المرّة تحت عنوان مخملي: “الشرق الأوسط الجديد”!

ويبقى سؤال عالق في الوجدان العربي والإسلامي: هل من يقظة جديّة؟ هل من مشروع يصدّ النهم الإسرائيلي والجشع الأميركي؟ أم مجرّد مواسم نحيب وبكاء على الأطلال كلما استدعت “الضرورة”، بينما يخطو المشروع الليكودي التوسّعي خطوات واسعة إلى الأمام؟

للانضمام إلى مجموعة “الجريدة” عبر “واتساب”، إضغط على الرابط 

https://chat.whatsapp.com/KcTcdtSlZ5a0SaZPTZsoiV?mode=ems_copy_c

spot_img
spot_img

شريط الأحداث

مقالات ذات صلة
spot_img
spot_img