لم يمرّ مسلسل “المحافظة 15” مروراً عادياً في الفضاء العام اللبناني – السوري، إذ سرعان ما تحوّل من عمل درامي رمضاني إلى محور جدل سياسي واجتماعي واسع، أعاد تسليط الضوء على ملفات حسّاسة تتصل بالذاكرة السياسية والرموز ودلالات التسمية بين البلدين.
الجدل لم يتمحور حول الحبكة أو المستوى الفني بقدر ما انصبّ على اسم العمل، خصوصاً بعد التوضيح الذي قدّمته الكاتبة والممثلة كارين رزق الله، والذي ربطت فيه التسمية بسردية تعود إلى مرحلة الوصاية السورية على لبنان، حين كان يُطرح، وفق هذا التفسير، إدماج لبنان ضمن المحافظات السورية ليصبح ما يُسمّى “المحافظة 15”.
هذا التفسير أثار موجة تفاعل واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي. فبينما استحضر لبنانيون ذاكرة مرحلة الوجود السوري وما رافقها من انتهاكات ومعاناة، عبّر سوريون عن رفضهم لما اعتبروه تحميلهم جماعياً مسؤولية ممارسات النظام السابق، معتبرين أن التسمية قد تُستخدم لإثارة مشاعر عدائية أو عنصرية، رغم تأكيدهم أنهم ليسوا جزءاً من تلك السياسات.
وفي هذا السياق، قال المخرج يوسف خوري في حديث صحفي إن الإشكالية الأساسية لا تكمن في مضمون العمل بحدّ ذاته، بل في رمزية التسمية وما تفتحه من أبواب تأويل سياسي. وأوضح أنه شخصياً لم يكن ليختار هذا الاسم، لأنه يمسّ وجدان شريحة واسعة ويستدعي مفاهيم لا تزال موضع انقسام في الوعي العام.
وأكد خوري أن التحفّظ على الاسم لا يعني رفض التعاون الثقافي أو الإنساني بين الشعبين، بل على العكس، مشدداً على أن أي تعاون مشروع ينبغي أن يبتعد عن الرموز القابلة للاستثمار السياسي أو سوء الفهم، لا سيما في ظل واقع إقليمي هشّ وذاكرة مثقلة بالجراح.
وأشار كذلك إلى أن السجال لا يمكن فصله عن ملف المفقودين اللبنانيين في السجون السورية، الذي يشكّل أحد أبرز الملفات العالقة في الذاكرة اللبنانية، في ظل حديث عن آلاف الحالات التي لم يُحسم مصيرها حتى اليوم، ما يزيد من حساسية أي نقاش يتصل بالعلاقة بين البلدين.
وعليه، تجاوز الجدل حدود الشاشة ليعكس مجدداً تشابك الفن بالسياسة في المنطقة، وحساسية الرموز في بيئة لم تُحسم فيها بعد العلاقة بين الذاكرة الجماعية والسيادة والهوية. وأظهر السجال أن أي خطاب عام، حتى لو جاء في إطار درامي، يبقى عرضة للتسييس في مجتمع منقسم، وأن الرموز قادرة على إعادة فتح نقاشات مؤجلة تتجاوز الفن إلى عمق الواقع السياسي والاجتماعي.













