
| طارق ترشيشي |
حين يحلّ الرابع عشر من شباط من كل سنة، لا يكون المشهد اللبناني مجرّد استعادة لذكرى رجلٍ اغتيل، بل استدعاء لمرحلة بكاملها، بأحلامها الكبرى وانكساراتها القاسية. في ذكرى اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ارتفع صوت الرئيس سعد الحريري مجدّداً، لا بصفته وريثاً سياسياً فحسب، بل كقارئٍ لنصٍّ مفتوح على المستقبل، نصٍّ كُتب بالحبر والدم معاً.
لم يكن خطاب الحريري الإبن تأبيناً تقليدياً، ولا تكراراً محفوظاً لسيرة رجلٍ شكّل منعطفاً في تاريخ لبنان المعاصر. بدا أقرب إلى بيان سياسي ممهور بالعاطفة، وإلى محاولة لإعادة تثبيت المعنى في زمن تتكاثر فيه الأسئلة ويقلّ فيه اليقين. بين سطور الكلمات، كان ثمة إدراك واضح بأنّ البلاد تقف على حافة استحقاق نيابي يُجمع كثيرون على أنّه سيكون مفصلياً، لا في انتخاب مجلس نيابي جديد فحسب، بل في إعادة رسم التوازنات الداخلية وتحديد وجهة لبنان في السنوات المقبلة.
في استدعاء الذاكرة لصوغ الحاضر، استحضر الحريري الإبن مشروع والده الشهيد، ولم يفعل ذلك من باب النوستالجيا السياسية، وإنما استعاد صورة رفيق الحريري، رجل الدولة الذي راهن على الإعمار، على الاقتصاد، على فكرة لبنان العربي الانتماء والهوية المنفتح، لبنان الوطن النهائي لجميع ابنائه، ليقول ضمناً إنّ المشروع لم يكن محطة عابرة في تسعينات القرن الماضي، بل رؤية مؤجّلة التنفيذ. وهكذا تحوّلت الذكرى منصة لإعادة تعريف هوية تيار “المستقبل”، في لحظة يعاني فيها التيار، كما سائر القوى التقليدية، من اهتزاز الثقة الشعبية وتبدّل المزاج العام.
ولقد كان واضحاً أنّ خطاب الحريري موجّه إلى جمهورين في آنٍ واحد: جمهور التيار الذي يحتاج إلى شدّ العصب واستعادة الثقة، وجمهور أوسع من اللبنانيين المترددين، أولئك الذين أنهكتهم الأزمة الاقتصادية ويبحثون عن بارقة أمل خارج الانقسام التقليدي.
وفي الرسائل المشفّرة إلى الداخل والخارج، وفي السياسة، لم تكن الكلمات بريئة. فقد حملت نبرة خطاب الحريري مزيجاً مدروساً من الحزم والليونة. لم يذهب إلى مواجهة مباشرة مع خصومه، لكنه لم يفرّط بثوابته أيضاً. إذ بدا وكأنّه يمدّ يداً، ويحتفظ بالأخرى على مقبض الثوابت.
إلى الحلفاء، الذين غمز الحريري إلى انّ بينهم من طعنه في الظهر، حملت الكلمات إشارات إلى ثوابٍ وعقاب، وإلى استعداد لإعادة ترميم التحالفات على قاعدة برنامج واضح، لا على مجرد تقاطع ظرفي. وإلى الخصوم، وجّه الحريري نقداً هادئاً، يشي بأنّ المرحلة المقبلة قد تفرض إدارة الخلافات لا تعميقها. أما إلى الخارج العربي والدولي، فقد أعاد تأكيد عمق لبنان العربي والتزامه بالشرعية، في تذكيرٍ بأنّ أي سلطة مقبلة لن تستطيع النهوض من دون شبكة أمان عربية وإقليمية ودولية.
وفي الخلفيات الانتخابية والمعركة على المعنى، يأتي هذا الخطاب فيما القوى السياسية كافة تستعد لخوض معركة انتخابية غير عادية. الأزمة المالية غير المسبوقة، تآكل الطبقة الوسطى، صعود قوى تغييرية، وتراجع الخطاب التعبوي التقليدي… كلها عناصر تجعل من الاستحقاق المقبل اختباراً قاسياً لكل القوى والأحزاب التي حكمت البلاد لعقود.
في هذا السياق، يمكن قراءة الخطاب بصفته إعلان دخول مبكر إلى المعركة الانتخابية، تحت عنوان التمسك بـ”وثيقة الوفاق الوطني” المعروفة بـ”اتفاق الطائف” واستكمال تنفيذها، وكذلك استكمال تنفيذ المشروع الذي بُنيَ على هديها، أي مشروع رفيق الحريري. سعى الحريري إلى احتكار رمزية الاعتدال السنّي والوطني، وإلى تثبيت موقعه لاعباً مركزياً لا يمكن تجاوزه في أي معادلة مقبلة. فالانتخابات ليست فقط تنافساً او تنازعاً على المقاعد النيابية، بل على السردية: من يملك حق تمثيل الذاكرة، ومن يستطيع تحويلها برنامجاً للمستقبل؟
اما في الانعكاسات المحتملة على العلاقات السياسية فإنّ الخطاب، وإن لم يبدّل الوقائع فوراً، فإنّه أعاد تحريك المياه الراكدة في العلاقة بين تيار “المستقبل” وبقية القوى السياسية. فهو لم يغلق الأبواب أمام تفاهمات انتخابية، بل تركها مواربة، ربطاً بحسابات الدوائر والمصالح المشتركة. وفي الوقت نفسه، لم يمنح خصومه مادة تصعيدية واضحة، ما يعكس رغبة في إبقاء هامش المناورة مفتوحاً حتى اللحظة الأخيرة.
أما القوى الناشئة، فقد وجدت نفسها أمام خطاب يحاول احتواء خطابها الإصلاحي، عبر التذكير بأنّ مشروع رفيق الحريري كان، في جوهره، مشروع دولة ومؤسسات. إنّها معركة على تفسير الماضي بمقدار ما هي على رسم المستقبل.
وفي المحصلة، وبين الوصية وصناديق الاقتراع، لم يكن خطاب الحريري مجرد محطة عاطفية. بل كان محاولة واعية لإعادة وصل خيطٍ انقطع بين زمنين: زمن الاغتيال بما يحمله من رمزية، وزمن الانتخابات بما يحمله من احتمالات. أراد سعد الحريري أن يقول إنّ الدم الذي سُفك لم يتحول ذكرى جامدة، بل وصية سياسية قيد التنفيذ.
ويبقى أنّ الاختبار الحقيقي لن يكون في وقع كلمات الخطاب، بل في ترجمتها إلى برنامج انتخابي واقعي، قادر على مخاطبة اللبناني المنهك اقتصادياً قبل مخاطبة وجدانه السياسي. وبين الدم وصناديق الاقتراع، يقف لبنان مرّة أخرى أمام سؤالٍ كبير: هل تستطيع الذاكرة أن تصنع مستقبلاً، أم أنّ المستقبل يحتاج إلى أكثر من ذاكرة؟













