السبت, فبراير 14, 2026
spot_img
spot_img
spot_img
الرئيسيةSliderكارثة طرابلس: من المسؤول حقاً؟

كارثة طرابلس: من المسؤول حقاً؟

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

| خاص “الجريدة” |

من يتحمّل مسؤولية انهيار الأبنية على رؤوس ساكنيها في طرابلس؟

منذ سنة 2022، شهدت المدينة انهيار أبنية سكنية في أحياء شعبية تآكلت مقومات الحياة فيها، ليس بفعل الزمن، وإنما بفعل الإهمال المزمن. وأوقعت ضحايا وجرحى، وخلّفت عشرات العائلات بلا مأوى.

8  مبان تهاوت على رؤوس الناس، أي بمعدل بنايتين كل سنة، أوقعت عشرات الضحايا والجرحى، وتركت عشرات العائلات بلا مأوى. وهذه أرقام كان يفترض أن تكون كافية لإعلان حالة طوارئ استثنائية لو وُجدت دولة تتعامل مع الأرقام بجدية، خصوصاً أن التقاريرالسابقة تتحدّث عن 114 مبنى مهدد بالسقوط، علماً أن بعض الأبنية التي انهارت لم تكن مدرجة ضمن هذا الرقم، ما يعطي مؤشراً أن عدد المباني المهددة هو أكبر بكثير.

هذه الوقائع ليست حادثاً عابراً، بل مؤشر خطير إلى خلل بنيوي تراكم على مدى عقود.

لكن السؤال الجوهري: هل المسؤولية تقع حصراً على نواب المدينة ووزرائها السابقين؟ أم أن الصورة أعقد من ذلك؟

الجزء الأكبر من الأبنية المنهارة شُيّد في مراحل مختلفة، بعضها قبل الحرب الأهلية، وبعضها خلال سنوات الفوضى.

من تسبّب بمشكلة الأبنية الآيلة للسقوط، هي القنابل والصواريخ التي زعزت الاستقرار والسلم الأهلي وأحدثت شرخاً بين الناس، كما زعزعت أعمدة البنايات المتهالكة.

كما أن المخالفات التي ارتكبت، ببناء طوابق فوق طوابق، بتسويات أو غض نظر، بمعزل عن دراسة قدرة هذه الأبنية على التحمّل، تتحمل مسؤولية هذه التصدعات التي تهددها بالسقوط.

هذه العوامل مجتمعة أدت إلى تصدّعات هيكلية لم تُعالج في حينها.

ملف الأبنية الآيلة للسقوط ليس جديداً. تقارير هندسية وبلدية تحدثت منذ سنوات عن عشرات المباني المصنّفة خطرة، لكن بقيت التقارير حبراً على ورق، إما لغياب التمويل، أو لتعقيدات إدارية، أو لخشية من تبعات اجتماعية لإخلاء السكان.

هنا تبدأ المسؤولية الرسمية.

طرابلس ليست جزيرة معزولة. البلدية، وزارة الأشغال، وزارة الداخلية، وزارة الشؤون الاجتماعية، التفتيش المركزي، مجلس الإنماء والإعمار… جميعها جزء من منظومة يفترض أن تراقب السلامة العامة. فإذا كانت الأبنية خطرة منذ سنوات: لماذا لم تُعالج؟ لماذا لم يُنشأ صندوق طوارئ؟ لماذا لم تُفرض رقابة صارمة على المخالفات؟ لماذا لم يُنفّذ مسح هندسي شامل؟

المشكلة هنا تتجاوز الأشخاص إلى غياب سياسة وطنية لمعالجة الأبنية المتداعية.

من المسؤول إذن؟

المسؤولية موزعة على مستويات:

  1. الدولة المركزية التي لم تعتمد خطة وطنية لمعالجة الأبنية المتداعية.
  2. الإدارات المحلية التي لم تفرض رقابة كافية على المخالفات.
  3. سنوات الحروب والاشتباكات التي أضعفت البنية التحتية.
  4. الطبقة السياسية عموماً التي لم تجعل سلامة المدينة أولوية دائمة.
  5. ثقافة المخالفة والتسويات التي سمحت ببناء طوابق إضافية بلا دراسة هندسية.

أما تحميل المسؤولية لشخص واحد أو لجهة سياسية واحدة، هو تبسيط مريح، لكنه لا يحل المشكلة.

تساقط الركام على أبناء هذه المناطق، وهم في معظم الأحيان نيام، لكن يقظتهم لن تنقذهم من تداعيات الإهمال المتراكم.

وعند كل انهيار، يفجّر الناس غضبهم على النواب الحاليين ورؤساء الحكومات السابقين من المدينة والوزراء السابقين منها…

لكن تقييم الأدوار يحتاج إلى ميزان أدق.

منذ 17 تشرين 2019، تعمّقت الهوة بين جزء من الشارع والطبقة السياسية. الاحتجاجات عكست غضباً حقيقياً، لكنها في بعض المحطات انزلقت إلى فوضى أضعفت الثقة المتبادلة.

نتيجة ذلك، شهدت المدينة حالة قطيعة بين السياسيين وبين بعض الشارع، قبل أن تعود خطوط التواصل عبر الانتخابات أو الوساطات التقليدية.

غير أن معالجة الانهيارات لا تكون بالقطيعة ولا بالشعارات، بل بخطة واضحة.

هناك ظلم يلحق بتاريخ المدينة ورجالاتها وشخصياتها. هناك شعارات تتردّد من دون إدراك حقيقتها.

يُتهم رشيد كرامي أنه لم يفعل شيئاً لطرابلس، علماً أن واقع طرابلس وشوارعها وتخطيطها الذي نعرفه اليوم، حصل أيام رشيد كرامي وبجهوده.

يُتهم عمر كرامي أنه لم يفعل شيئاً لطرابلس، علماً أنه على الرغم من وجوده خارج الحكم “زمن البحبوحة”، صال وجال من أجل وضع منطقة الضم والفرز التي نعرفها اليوم على خريطة الدولة، وإقرار البنية التحتية لهذه المنطقة التي تشكّل اليوم العصب الاقتصادي لمدينة طرابلس. كما أنه خاض معارك شرسة من أجل الدفاع عن حقوق المدينة، وليس صحيحاً أنه وقف في وجه المشاريع. فقط هناك مشروع وحيد واجهه، وثبت بالدليل القاطع أنه كان محقاً، وهو مشروع إنشاء الملعب الأولمبي في معرض رشيد كرامي الدولي.. وقد أصبح الملعب الأولمبي اليوم هيكلاً بلا حياة!

يُتهم فيصل كرامي بأنه لم يقدّم شيئاً، مع أنه جاء في “زمن القحط” والانهيارات الأمنية والسياسية والمالية. مع ذلك، فتح المستشفى الإسلامي لأبناء المدينة، وشكّلت ـ ولا تزال ـ ملاذاً صحياً لآلاف المواطنين العاجزين عن دفع أكلاف الاستشفاء. هل يمكن التفكير أنه لو لم تكن المستشفى الاسلامي موجودة، ماذا كان سيفعل أبناء المدينة الذين لا يجدون سريراً للعلاج؟ عندها سنكتشف حجم الكارثة.

يُتهم محمد كبارة، بأنه لم يفعل شيئاً لطرابلس، وهو الذي جاهد من أجل تأهيل كورنيش الميناء وإقرار الضم والفرز للسقي الشمالي لطرابلس، فضلاً عن ملاحقته على مدار الساعة لهموم كل مواطن، ولم يقفل بابه في وجه أحد من أصحاب الحاجة.

يُتهم محمد الصفدي بأنه أدار ظهره، وهو الذي حاول الاستثمار في عقول أبناء المدينة، باعتباره الاستثمار الذي يبني مستقبل المدينة، وصرف ملايين الدولارات على محو الأمية المعلوماتية ومدارس التعليم والتأهيل المهني والملاعب الشعبية والأندية الرياضية، وفتح أهم مركز تنموي ـ اجتماعي ـ تربوي ـ ثقافي ـ رياضي في لبنان.

يبقى نجيب ميقاتي الذي يُرجم عند كل حركة اعتراض. وتتدحرج الاحتجاجات إلى مدخل منزله في الميناء في محاولة لإحراقه!

فهل يستحق نجيب ميقاتي كل هذا السخط والحقد؟

بمراجعة بسيطة، فإن ما يتعرّض له الرجل فيه ظلم كبير، ما يدفعه إلى مزيد من الانكفاء.

حتى مع الاختلاف معه، يشكل حضور ميقاتي السياسي أحد عناصر التوازن في المدينة. وهذا لا ينفي أن الرجل هو حاجة وضرورة لمدينة طرابلس. وإذا لم يكن كذلك، فلماذا التركيز عليه؟

ليس نجيب ميقاتي من حرم طرابلس من المشاريع. وليس هو من زعزع الأبنية حتى انهارت على المواطنين.

يمكن لأبناء المدينة معاتبة نجيب ميقاتي على حالة الزعل التي يُفترض أنه يعيشها بسبب تكرار الحملات عليه، ومحاولات إحراق منزله.

يمكن التمنّي على الرجل، وليس الفرض، زيادة موازنة الإنفاق من ماله الخاص في المدينة. ليس على المفاتيح الانتخابية التي لم تحفظ له، وإنما على الحالات الاجتماعية والصحية والضرورات في المدينة، مع العلم أن مستوصفات العزم تقوم بما عليها، وأن المساعدات الاجتماعية لم تتوقّف، وإن تراجع حجمها وصارت مروحتها أصغر.

هذه الوقائع لا تعني تبرئة مطلقة، لكنها تعني أن الصورة ليست سوداء بالكامل.

الانتقاد المشروع يجب أن يركّز على سؤال محدد: هل استخدمت هذه القوى السياسية وزنها بما يكفي لفرض خطة إنقاذ شاملة ومستدامة؟

ما يحصل في طرابلس هو نتاج واقع مختلف، قد يتحمّل كل هؤلاء مسؤوليات جزئية فيه، ولكن لا يجوز رمي كل المسؤولية عليهم وكأن ما يحصل هو بسببهم.

ما يحصل في طرابلس هو أن “الدولة العميقة” نجحت في خلق هوة عميقة بين عاصمة الشمال وبين مفهوم الدولة.

المشكلة الرئيسة هنا، أن طرابلس مرتبطة بالدولة، لكن الدولة تدير ظهرها للمدينة.. إلا عندما تحتاج إلى “زخم شعبي” لاستثماره في المعارك السياسية والطائفية والمذهبية والعصبيات…

“الحب” بين طرابلس والدولة، هو “حب من طرف واحد”.

طرابلس مظلومة… هذه مسلّمة لا نقاش فيها. لكن “الظالم” ـ أو “الظالمين” ـ ليسوا هؤلاء الذين ترمى عليهم حجارة المسؤولية.. أو على الأقل، ليسوا وحدهم.

الذي يستحق “الرجم” هو مشروع الفتنة التي يحاول البعض الاستثمار فيها، للإيقاع بين أبناء المدينة، لأنه بذلك تزداد طرابلس ضعفاً، ويصبح الإهمال طبيعياً، وتقع الكارثة عندما يهجر المدينة من تحتاجهم في زمن الحاجة.

ماذا الآن؟

طرابلس بحاجة إلى:

  • مسح هندسي شامل لكل الأبنية القديمة
    • إنشاء صندوق طوارئ لإعادة التأهيل أو الإخلاء
    •  خطة إسكان بديلة للأسر المتضررة
    •  رقابة صارمة على أي إضافة عمرانية
    •  تنسيق بين النواب والبلدية والوزارات المعنية

طرابلس مدينة مثقلة بتاريخ من الإهمال، لكنها ليست مدينة عاجزة.

المعادلة اليوم واضحة: إما الانتقال من تبادل الاتهامات إلى خطة إنقاذ فعلية، وإما انتظار كارثة جديدة.

المسؤولية ليست حجراً يُرمى على منزل سياسي، بل التزاماً يجب أن يُترجم إلى قرار وخطة وتنفيذ.

المطلوب اليوم، وأكثر من أي يوم مضى، هو تكاتف كل الجهود والإمكانات، السياسية والمالية والفكرية والشعبية، لإنقاذ طرابلس من الكارثة الآتية، لأنه حينها “لا ينفع الندم”!

spot_img
spot_img

شريط الأحداث

مقالات ذات صلة
spot_img
spot_img