الأربعاء, فبراير 11, 2026
spot_img
spot_img
spot_img
الرئيسيةSliderلا "صَدَقة".. بل إختبار للمصداقيّة!

لا “صَدَقة”.. بل إختبار للمصداقيّة!

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

| جورج علم |

 

إستقبلت بيروت في 12 تشرين الثاني الماضي السيدة آن كلير لوجاندر.

إنها ـ وفق بطاقة التعريف الرسميّة ـ مستشارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لشؤون الشرق الأوسط.

وإستقبلت بيروت في 7 شباط الجاري، جان نويل بارو.

إنه ـ وفق بطاقة التعريف الرسميّة ـ وزير الخارجيّة الفرنسية. يضخّ في عروق الدبلوماسيّة الفرنسيّة نبض الشباب، وروحه. حاد الذكاء، جدّي، أستاذ رائد في صياغة “العلاقات الخارجيّة “، وإبتكار المخارج المشرّفة، وواحد من الوجوه الواعدة التي قد تخلف ماكرون في القصر الرئاسي.

وما بين زيارة لوجاندر، وزيارة بارو، مسافة زمنيّة تقاس بثلاثة أشهر، وجهد مشترك لوضع “رؤية فرنسا للبنان” موضع التنفيذ.

لم يتحدث الرئيس دونالد ترامب يوماً عن “رؤية أميركا للبنان”. تحدّث عن أنه يريد “أن يفعل شيئاً”. أوفد السيدة مورغان أورتاغوس، وكأنها لم تأتِ. وجاء توم برّاك ـ الزحلاوي الأصل ـ ليُملي، ويشتم. الصحافيّون في القصر الجمهوري ـ من وجهة نظره ـ مجرّد “حيوانات”. الدولة اللبنانيّة “دولة فاشلة”. والعقوبات، كل العقوبات، إن لم يمتثل لبنان للشروط الأميركيّة ـ الإسرائيليّة، وينخرط فوراً بمفاوضات مباشرة!

أما السفير ميشال عيسى، فحتى الآن لم يهلّ هلاله وسط هذه الضبابيّة التي تشوب العلاقات. إنه ـ وفق بعض عارفيه ـ مجرّد شخصيّة تفتقر إلى الخبرة الدبلوماسيّة، كما تفتقر إلى الجاذبيّة!

وحياكة قميص الصوف للعريّ اللبناني لا يمكن أن تحاك بصنّارتين مشاكستين.

فرنسا تريد أن يعود لبنان الذي تعرفه، والذي ولد من رحم إنتدابها.

الولايات المتحدة تريده “صلة وصل” بين مصالحها المتشعّبة في الشرق الأوسط الجديد الذي ترسم حدوده بالحديد والنار، وبالتكافل والتضامن مع “إسرائيل”.

وتكمن الخطورة في أن يصبح المركب اللبناني المتهالك في مرمى الإعصار الناشط ما بين ضفتي الأطلسي، فلا يسنده الإتحاد الأوروبي بالدعم المطلوب، ولا تسعفه الرياح الناشطة من البيت الأبيض.

ويصبح الوضع أكثر تعقيداً إذا وضع لبنان ضمن “جردة الحساب” الفرنسيّة ـ الأميركيّة.

الهوّة ما بين باريس وواشنطن تتوسّع وتتعمّق إن على مستوى العلاقات الثنائيّة، أو على مستوى التعاطي مع الملفات الدوليّة من أوكرانيا، إلى الشرق الأوسط، ومن الشرق الأوسط، إلى الصين. وقد إتخذت على هامش المنتدى الإقتصادي في دافوس طابعاً شخصيّاً ما بين الرئيسين ترامب وماكرون.

ويصبح من الصعب إحتساب التداعيات على الواقع اللبناني. فمن جهة تتفق الدولتان على حصريّة السلاح، ودعم الجيش، وتحقيق الإصلاحات. ومن جهة أخرى تتباين المواقف حول الإعتداءات الإسرائيليّة، وأبعادها.

تدعم فرنسا المطالب اللبنانيّة لجهة إلزام “إسرائيل” على إحترام إتفاق وقف إطلاق النار، والإنسحاب من النقاط التي تحتلها، وإطلاق سراح الأسرى، وترسيم الحدود البريّة طبقاً لإتفاقيّة الهدنة، وتنفيذ القرار 1701. في حين أن الولايات المتحدة تغضّ الطرف عن الإعتداءات، وتصرّ على المفاوضات المباشرة مع “إسرائيل”، للبحث في كيفيّة وضع مطالب لبنان موضع التنفيذ!

وتذهب الحسابات الفرنسية نحو الأبعد في قراءتها للمشهد اللبناني، إذ ترى أن الإدارة الأميركيّة، بالتضامن والتعاون مع حكومة نتنياهو، تريدان “تجفيف” الحضور الفرنسي في لبنان، و”طمسه” بالكامل.

باريس كانت أحد الرعاة الدولييّن الأساسيّين لإتفاق وقف الأعمال العدائية. لكن واشنطن لم تضمن إحترام تطبيق هذا الإتفاق الذي أشرف على صياغته الأميركي آموس هوكشتاين، ولم ترغم نتنياهو على إحترامه، بل قدّمت له، ولا تزال، كل الدعم والمؤازرة.

وكانت فرنسا شريكاً وازناً في لجنة “الميكانيزم” التي أنشئت لمراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار، فيما تسعى “إسرائيل” راهناً إلى إبعادها، وإبعاد الأمم المتحدة، لإبطال دورهما، ووضع لبنان على سكّة التفاوض المباشر برعاية واشنطن.

وتحرص فرنسا على وحدة التراب اللبناني، وعلى قيام الدولة القادرة على إسترجاع السيادة الوطنيّة، فيما السيادة بنظر واشنطن مجرّد وجهة نظر تتحدد مواصفاتها في ضوء نتائج المفاوضات المباشرة. وهذا ما يرفع من منسوب القلق لدى الرئيس ماكرون وفريق عمله حول الجنوب، رغم الإنجازات التي حققها الجيش اللبناني.

وتهدف “رؤية فرنسا للبنان” إلى إنقاذ وحدة الأرض، والشعب، والمؤسسات، وتسليط الضوء على مستقبل الجنوب بعد إنسحاب قوات “اليونيفيل”، والسعي الجدّي إلى إستمرار الكتيبة الفرنسيّة، وزيادة عددها، وتفعيل دورها في دعم الجيش، إلى جانب قوات أوروبيّة من إيطاليا، وإسبانيا، وألمانيا، وربما دول أخرى.

وترفض حكومة نتنياهو أي وجود أجنبي بعد إنسحاب “اليونفيل”. تريد أن تكرّس هيمنة كاملة، وإبقاء الجنوب تحت عدساتها الكاشفة، على أن تعالج كلّ الملفات عن طريق الحوار. في حين لم تُبدِ الولايات المتحدة أي موقف لغاية اليوم حول الحضور العسكري الأوروبي ـ الدولي في الجنوب، ومدى الصلاحات التي ستوكل إليه.

إن “دبلوماسيّة المواجهة” التي يعتمدها الوزير بارو، هدفها الوفاء بالدور الفرنسي التاريخي تجاه لبنان. شارل ديغول لم يعد في قصر الإليزيه، لكن بقي إرثه. إستعادة الجنوب إلى كنف السيادة اللبنانيّة، تعني إستعادة فرنسا لدورها في لبنان كشرفة تطلّ منها على الشرق الأوسط الجديد.

ويبقى أن “رؤية فرنسا الديغوليّة للبنان” تستند إلى مؤسسة عسكريّة متمكّنة. ومن هنا إنطلقت فكرة دعم الجيش اللبناني، ووظّف بارو جيشه الدبلوماسي المنتشر لدى عواصم الدول المؤثّرة لإنجاح المؤتمر الذي يسعى الرئيس ماكرون إلى إستضافته مطلع آذار. إنه وفق “الرؤية الفرنسيّة” مجرّد إستفتاء عربي ـ إقليمي ـ أوروبي ـ أميركي ـ دولي حول أيّ دعم للجيش؟ لأيّ دور؟ لأي لبنان؟

يمثّل المؤتمر ـ بالنسبة لفرنسا ـ ساعة الحقيقة. لا صَدَقة. لا مِنّة، بل إمتحان لصِدقيّة ومصداقية شعارات الدعم التي ترفعها الدول الشيقة، والصديقة للبنان في المنعطف التاريخي المصيري الذي يجتازه.

فهل ينجح ماكرون في إنقاذ لبنان “وجدان” الجنرال ديغول، أم أن المواصفات لم تكتمل، ولا يزال الكيان في عهدة “القابلة” الأميركيّة ـ الإسرائيلية، ولم تتضح مواصفاته بعد؟

للانضمام إلى مجموعة “الجريدة” إضغط على الرابط

https://chat.whatsapp.com/DNRkhx5vUMsFgGFcWAYjg8

 

spot_img
spot_img

شريط الأحداث

مقالات ذات صلة
spot_img
spot_img