الإثنين, فبراير 9, 2026
spot_img
spot_img
spot_img
الرئيسيةسياسة"فايننشال تايمز": "الأمير أبو عمر" قصة طريفة.. لكنها إنذار خطير بسهولة اختراق...

“فايننشال تايمز”: “الأمير أبو عمر” قصة طريفة.. لكنها إنذار خطير بسهولة اختراق القرار الوطني!

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

نشرت صحيفة “فايننشال تايمز” تقريراً عن قصة “الأمير” السعودي المزيف “أبو عمر” (مصطفى الحسيان) اعتبرت فيه أن هذه الفضيحة كشفت مدى هشاشة النخبة السياسية اللبنانية.

وجاء في تقرير الصحيفة البريطانية:

في واحدة من أكثر القصص غرابة وإحراجاً للنخبة السياسية اللبنانية، كشفت تحقيقات أمنية وإعلامية أن رجلاً انتحل صفة أمير سعودي يُدعى “أبو عمر”، وتمكّن عبر مكالمات هاتفية فقط من التأثير على قرارات سياسيين ونواب وشخصيات بارزة في الدولة.

الرجل، الذي قدّم نفسه باعتباره ممثلاً غير رسمي للقيادة السعودية، نجح في إقناع مسؤولين لبنانيين بأنه يحمل رسائل مباشرة من الديوان الملكي السعودي، وطلب منهم اتخاذ مواقف سياسية محددة، خصوصاً خلال مرحلة الاستشارات النيابية لتسمية رئيس الحكومة في عام 2025.

لكن الحقيقة التي كشفتها التحقيقات لاحقاً كانت صادمة:

“الأمير” لم يكن سوى ميكانيكي سيارات من شمال لبنان، يتمتع بقدرة عالية على تقليد اللهجة الخليجية وبناء روايات مقنعة.

وفي بلد اعتاد التدخلات الخارجية وتأثير العواصم الإقليمية على قراراته، كشفت الفضيحة عن مدى هشاشة النخبة السياسية اللبنانية ـ ليس أمام نفوذ حقيقي، بل أمام نفوذ وهمي.

القصة تبدأ مع رجل قدّم نفسه على أنه أمير سعودي نافذ يُدعى “أبو عمر”، وتمكّن عبر الهاتف فقط من التواصل مع سياسيين لبنانيين رفيعي المستوى والتأثير على مواقفهم وقراراتهم، خصوصاً خلال مرحلة حساسة من تشكيل السلطة التنفيذية.

لكن ما بدا أنه صوت من قلب الرياض، تبيّن لاحقاً أنه صوت ميكانيكي سيارات لبناني من شمال البلاد، نجح في تمثيل دور الأمير بإقناع لافت، مستفيداً من توقّعات مسبقة لدى السياسيين اللبنانيين عن طبيعة النفوذ السعودي.

مكالمات من “الرياض” صنعت وهماً سياسياً

بحسب التحقيق، فإن الرجل استخدم أرقاماً دولية وتطبيقات اتصال لإيهام المتلقين بأنه يتحدث من الخارج، وحرص على التحدث بلهجة سعودية مصطنعة، وعلى استخدام مفردات سياسية ودبلوماسية تعكس اطلاعاً واسعاً على التوازنات الإقليمية.

لم يعرض نفسه كمسؤول رسمي، بل كـقناة غير معلنة تنقل رسائل حساسة من القيادة السعودية. وكانت رسائله غالباً غامضة لكن حازمة، ما أعطاها طابعاً يشبه أسلوب المراسلات الدبلوماسية غير المباشرة.

اللافت أن أياً من السياسيين لم يطلب لقاءه وجهاً لوجه، ولم يسعَ معظمهم إلى التحقق من هويته عبر القنوات الرسمية.

ويشير التقرير إلى أن نجاح الخدعة لم يكن نتيجة مهارة فردية فقط، بل نتيجة بيئة سياسية لبنانية مهيّأة لتصديق أي إشارة يُعتقد أنها سعودية.

فالسعودية لطالما لعبت دوراً محورياً في السياسة اللبنانية، لا سيما في الوسط السني، ما جعل ادّعاء تمثيل موقف سعودي كافياً لفتح أبواب التأثير.

وقد استغل “أبو عمر” هذا الواقع بعناية، فكان يلمّح إلى:

• دعم مالي محتمل.

• غطاء سياسي إقليمي.

• إعادة تطبيع العلاقات مع قوى لبنانية معيّنة.

• أو العكس: تحذير من العزلة والعقوبات السياسية.

كل ذلك من دون تقديم أي دليل ملموس.

ويلفت التقرير إلى أن الرجل لم يعمل في فراغ، بل كان على ارتباط بشخصية دينية سنّية مؤثرة، تتمتع بعلاقات متينة داخل الطبقة السياسية اللبنانية (الشيخ خلدون عريمط).
وتشير الصحيفة البريطانية إلى أن هذا الشيخ:

• ساعد في فتح قنوات تواصل مع نواب ومسؤولين.

• منح القصة غطاءً معنوياً ومصداقية اجتماعية.

• وربما لعب دور الوسيط الذي عزّز ثقة بعض السياسيين بالشخص المنتحل.

وبذلك، تحوّلت الخدعة من مبادرة فردية إلى شبكة تأثير شبه منظّمة.

بلغت القصة ذروتها خلال الاستشارات النيابية الملزمة لتسمية رئيس الحكومة عام 2025 ـ وهي مرحلة شديدة الحساسية في النظام اللبناني.

في تلك الفترة، أجرى “أبو عمر” اتصالات بعدد من النواب، لا سيما من الطائفة السنية، محاولاً توجيه أصواتهم لدعم خيار سياسي معيّن، مقابل إبعادهم عن مرشحين آخرين.
ووفق التقرير، فإن الاتصالات ركّزت على:

• الموقف من نجيب ميقاتي.

• دعم أو عرقلة ترشيح نواف سلام.

• توجيه التوازن داخل الكتل النيابية.

وبعض النواب أقرّ لاحقاً بأنه أخذ هذه الاتصالات على محمل الجد، ظناً منه أنها تعبّر عن توجّه سعودي رسمي أو شبه رسمي.

وعلى الرغم من أن التحركات لم تُغيّر النتيجة النهائية بشكل جذري، إلا أن الصحيفة تؤكد أن الأثر السياسي كان ملموساً من حيث إثارة التردد وإعادة الحسابات داخل بعض الكتل.
لكن القيمة الحقيقية للقضية ـ بحسب “فايننشال تايمز” ـ تكمن في ما تكشفه عن عقلية النخبة اللبنانية:

الاستعداد لتعديل المواقف الوطنية بناءً على إشارات خارجية، حتى عندما تكون غير مؤكدة أو غير موثّقة.

انكشاف الخدعة والتحقيقات الأمنية

بدأت الخيوط تتكشف عندما أثار بعض المسؤولين شكوكاً حول هوية المتصل، ما دفع الأجهزة الأمنية إلى تتبع مصدر الاتصالات.
وتبيّن لاحقاً أن “الأمير”:

• يقيم داخل لبنان.

• لا يمتّ بأي صلة رسمية بالسعودية.

• يعمل في مهنة متواضعة بعيدة تماماً عن عالم السياسة.

وقد تم توقيفه واستجوابه، إلى جانب التحقيق مع شخصيات أخرى يُشتبه في مساعدتها أو تغطيتها لتحركاته.

ووجّهت إليه تهم تتعلق بالاحتيال، وانتحال الصفة، والتدخل في الحياة السياسية.

أثارت القضية موجة سخرية واسعة في لبنان، حيث اعتبرها كثيرون دليلاً إضافياً على هشاشة الطبقة السياسية.

في المقابل، رأى محللون أن القضية ليست مجرد نكتة سياسية، بل إنذار خطير حول سهولة اختراق القرار الوطني عبر وسائل بدائية نسبياً.

واعتبرت صحيفة “فايننشال تايمز” أن القصة تعكس أزمة أعمق من مجرد عملية احتيال. فلبنان ـ بحسب التقرير ـ يعيش حالة اعتماد مزمن على الإشارات الخارجية، إلى درجة أن:
•النفوذ الحقيقي مؤثر

• والنفوذ المتخيَّل مؤثر أيضاً.

وترى الصحيفة أن ما جرى يكشف ضعف الثقة بالمؤسسات الرسمية اللبنانية، وغياب آليات تحقق جدّية داخل الطبقة السياسية، إضافة إلى تراجع مفهوم السيادة الفعلية.
وأكدت الصحيفة البريطانية أن هذه الحادثة قد تُنسى كقصة طريفة، لكنها في الواقع تعكس خللاً بنيوياً في النظام السياسي اللبناني.

فحين يستطيع رجل واحد، عبر هاتف فقط، أن يهزّ توازنات سياسية وطنية، فإن المشكلة ـ كما ترى الصحيفة ـ لا تكمن في المحتال وحده، بل في البيئة التي سمحت له بالنجاح.

spot_img
spot_img

شريط الأحداث

مقالات ذات صلة
spot_img
spot_img