
| فاتن الحاج |
تستعد الجامعة اللبنانية لانتخابات طالبية طال انتظارها، وسط مخاوف من إعادة إنتاج اتحاد طلاب خاضع للانقسامات الطائفية والمحاصصة السياسية.
بعد تغييب دام 18 عاماً، تعود الانتخابات الطالبية إلى الجامعة اللبنانية في 27 آذار، كحدث يختلط فيه الأمل بالقلق والترقب. هذا الاستحقاق، الذي بدا للبعض انتصاراً طال انتظاره، ولآخرين مناسبة للتوجّس من تفاصيل القانون وآليات التنظيم، يفتح الباب مجدداً أمام سؤال جوهري: هل تعود الديموقراطية إلى الحرم الجامعي فعلاً، أم أنّها ستُستعاد بشكلٍ مشوّه يخضع لحسابات القوى السياسية والطائفية؟
العودة تأتي بعد مسار طويل من التعطيل بدأ منذ انتخابات 2007 – 2008، حين اختار الطلاب ممثليهم للمرة الأخيرة. ومنذ ذلك الحين، تكررت الذرائع الأمنية والسياسية لتأجيل الاستحقاق، فيما فشلت محاولات التسوية عام 2012 لاعتماد نظام نسبي، وُصف حينها بـ«المشوّه».
غير أن الجامعة أعلنت أمس اعتماد النظام النسبي واللوائح المقفلة، على أن يتم اختيار مندوب واحد لكل 100 طالب. كما حددت موعد إصدار لوائح الشطب بـ 23 شباط، وانتخابات المندوبين – التي يتم فيها اختيار ممثلي الطلاب في مجالس الفروع والوحدات – بـ 27 آذار، على أن يختتم الاستحقاق بانتخاب الهيئة التنفيذية لاتحاد الطلاب في 4 أيار.
لكن بدء اكتمال التحضيرات الذي يتزامن مع لقاءات تعقد بين القوى الطالبية تحت خيمة رئاسة الجامعة لا يخفي الانقسام العميق بين هذه القوى. فبينما يرى البعض في الانتخابات فرصة إصلاحية لإحياء الحياة النقابية، يتعامل آخرون معها بتوجّس، محذّرين من أن التحالفات الطائفية والسياسية قد تسبق صناديق الاقتراع.
وفي الكواليس، تُطرح صيغ لتقاسم الاتحاد مناصفة بين المسيحيين والمسلمين، مع اعتماد مبدأ المداورة في رئاسة الاتحاد، ما يعكس استمرار منطق المحاصصة داخل الجامعة، كما في الدولة.
المشهد العام يبدو وكأنه لوحة متناقضة: الجميع يرحّب بعودة الاستحقاق، لكن كل طرف يضع شروطه وملاحظاته. الحزب الشيوعي الذي رحّب بالعودة، رفع الصوت ضد القانون الذي يمنح، بحسب مسؤول قطاع الشباب والطلاب محمد كنج، رئيس الجامعة صلاحية نقض قرارات الاتحاد أو حلّه، معتبراً أنّ ذلك يفرغ التجربة من مضمونها الديموقراطي. كما انتقد اللوائح المقفلة وحرمان الطلاب الأجانب من المشاركة ترشيحاً واقتراعاً رغم أنهم يمثلون بين 15 و20% من الجسم الطالبي. كذلك، استغرب أن يشترط تنظيم أي نشاط داخل الحرم الجامعي موافقة المجلس الطالبي في الكلية أو الفرع. وفي السياق نفسه، شدد عضو اتحاد الطلاب العام (مجموعة يسارية)، خضر أنور، على أنّ الانتخابات يجب أن تكون ثمرة إرادة الطلاب لا قوانين مفروضة من الإدارة.
التيار الوطني الحر رأى أنّ الاستحقاق لا يمكن أن ينجح من دون تفاهم مسبق على صلاحيات الاتحاد. وحذّر مسؤول الشباب، إيليو حداد، من مركزية مالية وإدارية قد تضع القرار بيد الغالبية. في حين، أيّد تيار المستقبل العودة، لكنه أبدى تحفظاً على النظام الداخلي الذي يمنح الكليات الكبرى سيطرة على القرار، مؤكّداً أن المشاركة في الاستحقاق تهدف إلى تعديل القانون من الداخل. من جهته، اعتبر رئيس مصلحة الطلاب في حزب «القوات اللبنانية»، عبدو عماد، أنّ الانتخابات خطوة ضرورية لإعادة الحياة الديموقراطية، مشيراً إلى أنّ أي ثغرة لا تُكشف إلا عبر التجربة والممارسة، وأن لا نظام مثالي ثابتاً يمكن فرضه.
الموقف الأكثر دعماً، عبّر عنه مسؤول مكتب الشباب والرياضة في حركة أمل، علي ياسين، ومسؤول الجامعات في التعبئة التربوية في حزب الله، طارق فخري، اللذين أكدا استعدادهما لخوض الاستحقاق، معتبرين أنّ تشكيل الاتحاد مطلب أساسي يضمن مشاركة فعلية في القرار الجامعي، ويشكّل ممراً أساسياً إلى مجلس الجامعة، مع إقرار بأن التحالفات داخل الحرم لن تكون بعيدة من التحالفات السياسية القائمة خارجه.
هكذا، تبدو الانتخابات الطالبية في الجامعة اللبنانية أكثر من مجرد استحقاق نقابي؛ إنها اختبار لإرادة القوى السياسية في إعادة الاعتبار للعمل الديموقراطي داخل الجامعة، وفي الوقت نفسه مرآة تعكس التوازنات الطائفية والحزبية التي تتحكم بالمشهد العام. وبين الأمل بعودة الحياة النقابية والقلق من إعادة إنتاج الانقسامات نفسها، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تكون هذه الانتخابات بداية إصلاح فعلي، أم محطة جديدة في مسلسل التسويات المؤجلة؟













