الثلاثاء, يناير 27, 2026
spot_img
spot_img
spot_img
الرئيسيةSliderالتقاعد بين الاستحقاق القيمي والإحقاق المنقوص!

التقاعد بين الاستحقاق القيمي والإحقاق المنقوص!

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

| فيصل طالب | (*)

يُعدّ التقاعد نقطة تحوّل في حياة الفرد، يعيد فيها صياغة العلاقة بينه وبين ذاته والمجتمع، ويسوّغ طرح السؤال الوجودي: هل تُقاس قيمة الإنسان بما ينجزه في “زمانه الوظيفي”، أم بدوره الاجتماعي وحضوره الإنساني؟ وهل يرتبط جدليّاً زمن القدرة الإنتاجية المهنية بزمن الوجود الحيّ، فإذا كسد الأول فُقِد الثاني؟

يمثّل التقاعد وعياً أكثر حدّة بالزمن الذي لا يعود مفتوحاً على مسافة ممتدة نسبياً، لأنّ المتبقّي منه في مستقبل المتقاعد ليس بمقدار ما صُرِف منه في ماضيه؛ الأمر الذي يمنحه، أكثر من أيّ وقت مضى، بعداً وجودياً يلحّ على إعادة تعريف الفاعلية خارج منطق الإطار الوظيفي.

ليس التقاعد، في سياق تحديد القيمة الحقيقية للفرد، خروجاً من الجدوى الاجتماعية والاقتصادية، بل هو انتقال من الدور الوظيفي المحدود إلى الدور الذي يحمل المعاني المتحوّلة المفتوحة على المعارف والإبداع والحكمة والخبرة المنقولة إلى جيل الشباب، ويؤكد على البحث عن معنى جديد للحياة، أي أنّ التقاعد ليس تفريغاً للمعنى، بل تحوّلاً في نمطه، لأن العمل في الإطار الوظيفي أو المهني ليس غاية بحدّ ذاتها، بل وسيلة أساسية من وسائل تحقيق الوجود الإنساني بالمعنى الواسع للكلمة، وما يتصل به من التزام أخلاقي يضمن الكرامة الإنسانية، والاعتراف المتجدّد للمجتمع بحيوية المتقاعد المستمرّة، كائناً ما كان الموقع أو الدور الذي يؤول إليه.

بالمفهوم الحقوقي لا ينظر إلى التقاعد، في نطاق الوظيفة العامة، إِلَّا من خلال كونه حقّاً ناتجاً من إسهامات تراكمية في مخزون الفاعلية المجتمعية، وما يترتّب على المجتمع بنتيجة ذلك من التزامات تجاه الذين أفنوا أعمارهم في هذا السبيل، وليس باعتباره عوناً اجتماعياً أو إنسانياً، بل هو واجب يقوم على مبدأ الاستحقاق والالتزام القانوني المفروض من غير مِنّة بالحفاظ على الحقوق المكتسبة وتطويرها نحو الأفضل، واستمرار الحماية الاجتماعية للمتقاعدين، تحت سقف “الأمن الحياتي”، وضمان الثقة والمصداقية. ذلك أنّ الموظّفين يبنون مساراتهم الحياتية على أساس القواعد القانونية النافذة التي تحدّد شروط العمل والحقوق والواجبات المترتّبة على قبولهم بها، ومن بينها بطبيعة الحال معاشات التقاعد وتعويضات نهاية الخدمة، وسائر الشروط الضامنة لحياة كريمة لهؤلاء، بما لا يتيح، في أي ظرف من الظروف، إمكانية تعديل هذه القواعد، والانتقاص من توقّعاتهم المشروعة في هذا الخصوص، بالتطابق الكامل مع ما كرّسته المواثيق الدولية في هذا الشأن، ولا سيّما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية…

يعاني الموظّفون المتقاعدون في لبنان من النظرة المتواترة إلى التقاعد باعتباره عبئاً مالياً متضخّما ومتزايداً ينغّص ليل المالية العامة ونهارها، وليس نظاماً مستداماً للأمن الاجتماعي والعيش الكريم للمتقاعدين، يعبّر عن الالتزام بتسديد ما لهؤلاء من حقوق في ذمّة المجتمع. إنّ غياب التغطية الاجتماعية والصحية الكاملة، وانهيار المداخيل بفعل الأزمة الاقتصادية الكأداء، وتآكل القيمة الفعلية للمعاشات بسبب موجات الغلاء المستحكمة بشكل خاص برقاب ذوي الدخل المحدود، وتداول مشاريع تنتقص حتى من الحقوق المكتسبة في هذا النطاق، ولا تقدّم للأزمة المستفحلة حلولاً ناجعة على المَدَيين المعجّل والمؤجّل القريب، كل ذلك قد أدّى إلى نتائج اجتماعية فادحة أثقلت كواهل المتقاعدين، وتركت في نفوسهم آثاراً خطيرة تمثّلت بالشعور الحادّ بالإحباط وخيبة الأمل، وقدّمت درساً صارخاً لأجيال الموظفين الحاليين والمستقبليين في ما ينتظرهم من مصيرعندما يُحالون على التقاعد، بعد انقضاء خدمتهم الفعلية.

إن إصلاح النظام التقاعدي في لبنان خيار حقوقي وأخلاقي، يفترض أن يستهدف الاستثمار في الاستقرار الاجتماعي، وإعادة بناء الثقة بالوظيفة العامة ومستقبلها، في إطار قانوني يتيح تعديل المعاشات دورياً وفقاً لمؤشرات التضخّم، وإنشاء مؤسّسة موحّدة تعنى بدمج الأنظمة التقاعدية المختلفة لجميع موظفي الدولة في مؤسّسة وطنية واحدة تتولّى استثمارالاقتطاعات التقاعدية لضمان وجود ملاءة مالية دائمة (عائدات استثمارية)، يُضاف إليها ما يُلحظ من اعتمادات في الموازنة العامة لهذه الناحية؛ فضلاً عن رفع سنّ التقاعد اختيارياً، وبناءً على حاجة الإدارة، تماشياً مع ارتفاع متوسّط الأعمار، وتبعاً لطبيعة العمل ودرجة المسؤولية فيه، بحيث يرتفع سن الخدمة كلّما زادت درجة المسؤولية والأعباء ذات الطبيعة الفكرية، مع ربط أيّ تمديد لسن التقاعد بفتح مسارات توظيف موازية للشباب، وبخاصة في مجالات التقنيات والتحوّل الرقمي، حتى لا يكون هذا التمديد عائقاً أمام ضخّ دم جديد في الإدارة؛ مع إمكانية الاستفادة من الخبرات التقاعدية المتميزة، من خلال تطوير نظام التعاقد في هذا النطاق…

إن تطوير النظام التقاعدي لا يجوز أن يقتصر على الجانب التقني، فلا يقوم على تقليص التعويضات، واقتطاع جوانب من مستحقات المتقاعدين، وإعادة احتساب نسب توزيع المعاش التقاعدي على أفراد أسرة المتقاعد المتوفّي (البنات العازبات بعد سن الـ25 سنة، حتى ولو بلغن عمراً متقدماً لا يسمح لهن بأية فرصة عمل، وخفض حصة الولد الوحيد الى 50%؜،  إلخ… )، بل هو قرار سياسي بامتياز للدولة لا يكتفي فقط بتوفير معاش لائق يحفظ ماء الوجه، ويواكب صعوبات الحياة لمتقاعديها الذين استفاقوا على انهيار اقتصادي مرير كانوا أبرز ضحاياه، بل يعمل على إنشاء نظام متكامل في هذا السبيل يوازن بين ضمان الدخل المالي المطمئن والمستقر، والحماية الصحية الشاملة والكاملة، والدعم الاجتماعي الهادف إلى إفساح المجال للبقاء في دائرة الفعالية الاجتماعية، في إطار من الاستدامة المالية والاجتماعية التي تكفل الحياة الكريمة والفاعلة للمتقاعدين، في ظل تحوّل مأساوي في أوضاعهم من مرحلة كان يفترض أن تكون هانئة ومريحة، إلى معركة يومية للبقاء على قيد الكرامة الإنسانية، بعدما تحوّلت سنوات العطاء المديدة من حقيقة راسخة إلى شبهة تضحيات ضائعة تطرح السؤال الممضّ: هل البلد الذي تعوّد أن يودّع شبابه الراحل  إلى أربع رياح الأرض، لا يجد غضاضة في ترحيل متقاعديه إلى صحارى الحاجة والقلق، وهم يكابدون وجعهم بصمت الكبرياء، وصبر الحكمة، ومرارة الخذلان من إدارة الظهر لهم، حين وهن العظم منهم، واشتعل الرأس شيباً. إنّ الأمّة التي تتهاون في تقدير شيبها تفقد حيوية شبابها، وتهدم القدوة الصالحة في عيون الأجيال القادمة، وتَدَع كبارها يغادرون الحياة وفي حلوقهم غُصص الغبن، وفي قلوبهم جراح النكران.

(*) المدير العام السابق لوزارة الثقافة

spot_img
spot_img

شريط الأحداث

مقالات ذات صلة
spot_img
spot_img