الإثنين, يناير 26, 2026
spot_img
spot_img
spot_img
الرئيسيةSlider"جنون العظمة" لا يصنع سلاماً.. ولا وئاماً!

“جنون العظمة” لا يصنع سلاماً.. ولا وئاماً!

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

| جورج علم |

عندما تصاب “أميركا أولا” بمرض “جنون العظمة”، يتحوّل النظام العالمي إلى “عصفوريّة”.

لايمكن لـ”الجنون” أن يتحوّل إلى نظام عالمي.

لا بدّ من تغيير، أو سيتغيّر!

لا يمكن الإستسلام إلى نهج تسلّطي، يعتمد على القوة، ليفرض “شريعة غاب”، بربطة عنق حمراء. يخطف رئيساً من مخدعه. يهدّد دولة ذات سيادة. ويسعى إلى الهيمنة على جزيرة الجليد. ويرى أن مضاعفة المصالح تقوم على التهديد والوعيد لفرض أمر واقع، وكأنه قضاء وقدر!

يؤسس ما يسمّى بـ”مجلس السلام” للإشراف على تنفيذ وقف العمليات العدائيّة بين “إسرائيل” و”حماس” في غزة. وفجأة يقرّر توسيع نطاقه ليصير منظمة عالميّة منافسة للأمم المتحدة، أو بديلاً عنها، بعدما إنسحبت واشنطن من جميع المنظمات الدوليّة.

وجّه البيت الأبيض دعوات إلى ما لا يقل عن 60 دولة للإنضمام إلى “مجلس السلام”، كونه وفق التصوّر الأميركي “منظمة شاملة تهدف إلى حل النزاعات العالميّة بنطاق يضاهي الأمم المتحدة”. وتعاطى مع هذا المستجد، وكأنه “صفقة عقاريّة” تتوخى الربح السريع، إذ فرض على الأعضاء مليار دولار مقابل الحصول على مقعد دائم في المنظمة الجديدة. ومن لا يدفع المليار، فإن عضويته ستكون لثلاث سنوات فقط غير قابلة للتجديد!

ذهب إلى المنتدى الإقتصادي في دافوس بخطاب التهديد والوعيد. لم يحترم عصمة. لم يراع حرمة. أفرغ مخزون غضبه، وعاد إلى بلاده ليعلن بأنه حقّق من الإنجازات ما فاق التصوّر.

يستحيل أن ينبت “لجنون العظمة” جذوراً في الأرض، وثماراً فوق أغصان تضربها أعاصير التجريح والتشبيح.

لا بدّ من تغيير، وهو آتٍ لا محال، لأن “أميركا أولاً” فيها من الداخل ما يكفيها من تشوّهات، وأزمات، ولا يمكن أن تستمر في هذا العبث بـ”القرية الكونيّة”.

أول المعترضين الجار القريب، رئيس الوزراء الكندي مارك كارني الذي ألقى خطابا ناريّاً في دافوس، إعتبر فيه أن “التشدّد الجديد من الولايات المتحدة، ومعها بعض القوى العظمى، يعني أن النظام الدولي القائم على القواعد، قد إنتهى”. وحضّ الدول “المتوسطة” و”الصغيرة” على التكاتف والعمل معاً لمقاومة “أميركا أولاً”، ومساعي الرئيس دونالد ترامب الهادفة إلى “تقويض النظام الدولي الذي أرسي بعد الحرب العالميّة الثانيّة”.

خليّة السياسة الخارجيّة في الإتحاد الأوروبي، نشرت وثيقة داخليّة في 19 كانون الثاني الحالي، أثارت تساؤلات حول الصلاحيات الواسعة التي يتمتع بها الرئيس الأميركي على “مجلس السلام” الجديد.

وإعتبر جهاز العمل الخارجي الأوروبي أن ميثاق “مجلس السلام” يثير قلقاً بموجب المبادىء الدستورية للإتحاد الأوروبي، وأن إستقلال النظام القانوني للتكتل يتعارض أيضاً مع تفرّد رئيس “المجلس” بالسلطات.

وتفيد الوثيقة أيضاً أن “مجلس السلام” الجديد “ينحرف بشكل كبير على الولاية التي أذن بها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في تشرين الثاني الماضي، والتي ركّزت فقط على الصراع في غزّة”.

ماذا عن لبنان؟

يتعرّض البلد لعاصفة من “جنون العظمة” تتمثّل بالسلاح. أهميّته، بنظر البعض، أهمّ من أهميّة لبنان. والجملة الوحيدة المفيدة في الخطاب المتكرّر، لا تخضع لقواعد الصرف والنحو، وغير قابلة للإعراب لأنها تفتقر إلى المنطق، والحجة، والموضوعيّة، وتحاكي الإنفعالات، والغرائز، والإملاءات الخارجيّة، أكثر ممّا تحاكي الحقائق، والوقائع الميدانيّة، واحوال الناس، والمحاولات المستمرّة لخنق الأنفاس!

خطورة “جنون العظمة” لدى البعض، تكمن في خطورة المشروع المحاط بالسريّة والكتمان، والمموّه بالشعارات الشعبويّة. لقد تحوّلت وظيفة السلاح من خطوط التماس مع العدو، إلى رسم خطوط تماس في الداخل، وتحديد خطوط الطول والعرض لفدراليات على قياس المكونات!

والحقيقة المستعصيّة أنه يصعب دمج عبارة “لن نتخلّى عن السلاح” في متن خطاب القسم، ولا حتى في البيان الوزاري. هناك هوّة عظيمة، بين منطق الدولة ومنطق الدويلة، هناك فعل إستقواء على الطائف وبنوده السياديّة. وهناك تهديد واضح لكل من يحاول أن يعيد للدولة ما لها في ذمة الآخرين، إخوة السلاح.

وما حصل من فجوات على طول الطريق الممتد ما بين حارة حريك والقصر الجمهوري مؤخراً، لا يردمها الكلام المعسول حول الدفاع عن لبنان، والحرص على الدولة، ومؤسساتها الأمنيّة والسياديّة، وعلى الوحدة الوطنيّة، والسلم الأهلي. هذا النوع من تهدئة الخواطر لا يكفي، ولا يعني للإسرائيلي بشيء، لأنه يتخذ من السلاح ذريعة كي يحتلّ، ويدمّر، ويغتال أيّ فرصة للإنقاذ، وقد تمكّن بفعل إعتداءاته من أن يرسم خرائط للبنان آخر، ويسعى إلى النيل من جغرافيته بقوّة السلاح، وقد أصبح هذا اللبنان مخنوقاً داخل شرنقة المصالح الخارجيّة التي تتآلب عليه من كل حدب وصوب، تحت رعاية أميركيّة لتستثمر في إعتراضين: إعتراض “إسرائيل” على السلاح، وإعتراض جماعة السلاح على الدولة لأنها لا تواجه “إسرائيل”؟

– هل لدى حملة السلاح، و”إسرائيل”، مشروع واحد في لبنان؟

– من حيث الشكل، يحظى الجواب بالإيجاب.

الميليشيا تعتبر السلاح حقّاً مقدّساً، وحاجة وضرورة لتحقيق المشروع الذي تضمره. فيما “إسرائيل” تتخذ منه ذريعة لكي تحوّل لبنان إلى قطاع غزّة، وتعيده إلى القرون الوسطى، وربما إلى العصر الحجري.

أما في المضمون، يمكن الجزم بأن ما من ميليشيا مسلّحة إستطاعت أن تبني دولة، أو تحافظ على كيان. ربما تمكّنت من تكريس أمر واقع محشور وسط تضاريس من المصالح المشتركة المتصالحة على إقتسام المغانم، لكنها في المطلق سوف تزول مع زوال التضاريس المصطنعة.

أما الإسرائيلي فنظرته إلى هذا اللبنان مفطورة على ضرب الصيغة، وتفتيت الكيان. والخطورة أن الإعتداءات التي لا سقف لها، مدعومة بـ”جنون العظمة”. وهذا “الجنون” يحاول أن يفرض نظاماً دوليّاً جديداً معتمداً على القوّة، والهيمنة، والتسلّط، بديلاً عن الأمم المتحدة، ومحاولات تدميرها بشكل ممنهجّ!

… الخلاصة: إن العبث بالتوازنات الدوليّة، سينقلب إلى عبث بالمتطاول على التوازنات، لأن “جنون العظمة” لا يصنع سلاماً، ولا ينجز وئاماً!

للانضمام إلى مجموعة “الجريدة” عبر “واتساب”، إضغط على الرابط

https://chat.whatsapp.com/KcTcdtSlZ5a0SaZPTZsoiV?mode=ems_copy_c

 

 

spot_img
spot_img

شريط الأحداث

مقالات ذات صلة
spot_img
spot_img