الخميس, يناير 15, 2026
spot_img
spot_img
spot_img
الرئيسيةSliderالقانون الدولي.. للأقوياء فقط

القانون الدولي.. للأقوياء فقط

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

| الدكتور محمد حبحب |


يومًا بعد يوم، يظهر القانون الدولي لا كنظام محايد يحكم سلوك الدول على قدم المساواة، بل كفضاء مغلَف بالشرعية الدولية، لكن مسيّر بفعل الهيمنة العسكرية والإقتصادية. هذا القانون لم يكن يومًا وليد القواعد التي تنشأ بحسب تطور العلاقات بين الدول مع بعضها البعض على غرار القوانين الداخلية التي تُخلق وتتبدّل بفعل المتغيرات التي تطرأ على المجتمعات، بل كان دائمًا نتاجًا  لهيمنة المنتصر وقدرته على تحويل القوة إلى قاعدة، والفعل إلى عرف. فالقواعد ومعايير المشروعية هنا- وإن كانت غير مقنعة للضعيف- مسلّم بها خوفًا من الإتهام بالخروج عن “الإجماع الدولي”.

ليس ما حدث في الأيام القليلة الماضية في فنزويلا هو ما ولّد هذا الاقتناع، وإن كان قد كرّسه بشكل قاطع لا يقبل الشك. فمنذ بروز ملامح نشأة القانون الدولي (القانون الدولي الجنائي على وجه التحديد)، يتّضح أن خللاً بنيويًا رافق هذا النظام منذ اللحظة الأولى. ففي عام 1945، أُلقت الولايات المتحدة الأميركية القنبلتين النوويتين على كل من هيروشيما وناغازاكي، في أفظع استخدام للقوة ضد المدنيين في التاريخ الحديث، ومع ذلك لم تُدرج الواقعة في سجل الجرائم الدولية، بل جرى تطبيعها بوصفها ضرورة عسكرية، لتقوم بعدها مباشرة بعد انتهاء الحرب -ومن معها من الحلفاء المنتصرين- على إنشاء محاكم دولية (محكمة طوكيو ومحكمة نورمبرغ)، لتجسّد ما عُرف بـ”عدالة المنتصر” عبر محاكمة مجرمي الحرب التابعين للدول المهزومة مثل اليابان وألمانيا.

وبالعودة إلى ما قامت به الولايات المتحدة الأميركية من تدخل عسكري مباشر في فنزويلا الذي أفضى إلى دخول جنودها للقصر الرئاسي واقتياد رئيس الدولة نيكولاس مادورو مكبّلًا بالأصفاد إلى خارج الحدود، وتحديدًا ولاية نيويورك للمثول أمام المحكمة الفيدرالية هناك. لقد تخطّى هذا العمل حدود مخالفة قواعد القانون الدولي، وأسّس بشكل واقعي وفعلي لـ”قانون الغاب الدولي”. فلأول مرة في التاريخ المعاصر يجري اقتياد رئيس دولة منتخب من قبل الشعب بشكل شرعي من القصر الرئاسي إلى خارج البلاد للمثول أمام محكمة أجنبية بتهم جنائية، دون أدنى مراعاة للقواعد التي ترعى السيادة الوطنية والحصانات أو تلك التي ترعى حالات التدخل العسكري المشروع.  فأين يستقيم هذا الفعل من مبدأ احترام السيادة الوطنية وسلامة الإقليم، المكرّس صراحة في ميثاق الأمم المتحدة؟، وأين هو من القواعد الآمرة التي تحظر المساس بالسلطة العليا للدولة داخل إقليمها؟ ثم أيّ موقع له من النصوص القانونية المستقرّة في اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية المبرمة عام 1961 التي أعلت من شأن حصانة رؤساء الدول وممثليها الرسميين، ووضعتهم خارج دائرة الخضوع لأي ولاية قضائية أجنبية أثناء ممارستهم لمهامهم؟ فالحصانة هنا ليست امتيازًا شخصيًا، بل ضمانة مؤسسية لسيادة الدولة ذاتها، وأي مساس بها إنما يُعد مساسًا مباشرًا ببنية النظام الدولي القائم على المساواة القانونية بين الدول. وأخيرًا أين تتحقق شروط التدخل العسكري المباشر أو الدفاع الشرعي المنصوص عليه في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة التي قد تُستخدم ذريعة لتجاوز هذه المبادئ، في ظل غياب هجوم مسلّح، وانتفاء الضرورة، وانعدام التناسب؟

يبقى التساؤل الجوهري مطروحًا: كيف يمكن للمجتمع الدولي محاسبة الولايات المتحدة الأميركية عن هذه الانتهاكات الجسيمة لقواعد القانون الدولي، إذا كانت آليات المحاسبة، وإن وُجدت نظريًا، تفتقر عمليًا إلى القدرة على تفعيلها في مواجهتها؟ فالنظام الدولي لا يعاني من فراغ في الوسائل، بقدر ما يعاني من عجز في الإرادة حين يكون الطرف المعني دولة كبرى. ذلك أن آليات المساءلة الدولية، في بنيتها الحالية، تكاد تنحصر في ثلاث جهات أساسية: مجلس الأمن الدولي، ومحكمة العدل الدولية، والمحكمة الجنائية الدولية الدائمة. غير أن كل واحدة من هذه الآليات تصطدم، في الحالة الأميركية، بعائق بنيوي يجعل المحاسبة أقرب إلى الافتراض النظري منها إلى الإمكان الواقعي.

فمجلس الأمن، بوصفه الجهة المناط بها حفظ السلم والأمن الدوليين، يبقى عمليًا مشلولًا كلما تعلّق الأمر بمساءلة دولة دائمة العضوية. فالولايات المتحدة لا تكتفي بحق النقض “الفيتو” الذي يتيح لها تعطيل أي قرار قد يمسّ بمصالحها أو يطال حلفاءها، بل تمارس، إلى جانب ذلك، ضغوطًا سياسية واقتصادية مباشرة وغير مباشرة على الدول الأعضاء، بما يحوّل المجلس من هيئة قانونية جماعية إلى ساحة توازنات قسرية. وقد شهد النظام الدولي مرارًا تعطيل قرارات تتعلق باستخدام القوة أو بجرائم جسيمة، ليس لغياب الأساس القانوني، بل لهيمنة الإرادة السياسية للقوى الكبرى.

أما محكمة العدل الدولية، فرغم مكانتها بوصفها الجهاز القضائي الرئيسي للأمم المتحدة، فإن ولايتها تبقى رهينة قبول الدول. وقد سبق لها أن أصدرت حكمًا تاريخيًا ضد الولايات المتحدة في قضية نيكاراغوا عام 1986، قضت فيه بمسؤوليتها عن استخدام القوة والتدخل غيرالمشروع، إلا أن هذا الحكم ظلّ دون تنفيذ، بذريعة رفض الولايات المتحدة لاختصاص المحكمة في تلك الدعوى.

وأما المحكمة الجنائية الدولية الدائمة التي أُنشئت لملاحقة الجرائم الدولية، فتواجه بدورها حدودًا صارخة في قدرتها على مساءلة القوى الكبرى. فالولايات المتحدة ليست طرفًا في نظام روما الأساسي، وقد دأبت على معارضة أي محاولة لإخضاع رعاياها أو حلفائها لاختصاص المحكمة. بل ذهبت أبعد من ذلك، حين لجأت إلى فرض إجراءات عقابية وضغوط سياسية بحق القضاة لمجرد إصدارهم مذكرات إعتقال بحق رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو ووزير حربه السابق يؤاف غالانت لإرتكاب جرائم جسيمة بحق الشعب الفلسطيني في غزة.

وبالخلاصة، إن ما حدث يفتح الباب أمام نقاش حاد حول مدى احترام القواعد القانونية الدولية في ظل الإختلال الواضح في ميزان تطبيقها. فهي تُعلَّق حين تصطدم بإرادة الأقوى، وتُستدعى بصرامة حين يُراد تقييد الأضعف، فيتحول القانون من معيار للشرعية إلى أداة انتقائية تُدار بمنطق القوة لا بمنطق العدالة. ولذلك فإن هذا الوضع لن يستقيم إلا مع بروز قوى عظمى تضاهي الدولة الأقوى حاليًا، حيث تتقاطع حينها المصالح حول احترام القواعد القانونية ليس بهدف تحقيق العدالة الدولية بل هدف تحقيق توازن يضمن مصالحهم!

 

spot_img
spot_img

شريط الأحداث

مقالات ذات صلة
spot_img
spot_img