| جورج علم |
لم تكن نزهته موفّقة. جاء بالرئيس الفنزويلي، وترك الأزمة وراءه تتفاعل. صفّق الرئيس دونالد ترامب طويلاً للسيناريو، وطريقة الإخراج، لكنه اصطدم بالنتائج.
إختصر وزير خارجيته ماركو روبيو المشهد قائلا: “ألقينا القبض على الرئيس، وبقيت الأزمة طليقة”!
ذهب رئيس جهاز مخابراته جون راتكليف نحو الأبعد: “ما لم يُصر إلى قطع الأذرع مع إيران، فإن الأخطبوط سيتمكّن”.
متوحش هو النظام العالمي الجديد، الذي يمارسه الرئيس الأميركي.
أن يكون منطق القوّة و”السلبطة”، هو البديل عن منطق القانون، فهذا يعني العودة إلى شريعة الغاب، ودفع الدول نحو حروب مدمّرة.
ما فعله في كاراكاس أدهى مّما فعله صديقه اللدود فلاديمير بوتين في كييف. لقد منحه صك براءة عمّا يرتكبه في أوكرانيا. ومنح الزعيم الصيني شي جينبينغ تأشيرة دخول إلى تايوان ساعة يرى الفرصة متاحة. ثم من يستطيع أن يلجم بعد اليوم بنيامين نتنياهو، ويمنعه من التوغل في عربدته ضد غزّة، ولبنان، وسوريا، وسائر المحور؟
إستفاق العالم مطلع العام الجديد، على واقع جديد. يحدّثنا ترامب عن فيلم مشوّق أنتجه في كاراكاس، وعن برنامج تلفزيوني مثير بطله الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وعن طموح جموح بإتجاه جزيرة غرينلاند، وقناة بنما. لكن البدايات نادراً ما تتطابق مع النهايات. وليس كل ما يريده يمكن أن يحصل عليه. وغالباً ما تخالف المستجدات التوقعات، خصوصاً إذا كان المتضرّرون من “أميركا أولاً” يصطفّون على الطرف الآخر من النهر ينتظرون مرور الجثة!
ويبدو أن هبوباً مسموماً قد إنطلق من منتجع مارالاغو، بعد تفاهمات ترامب ونتنياهو. وعاد الأخير إلى تل أبيب بأربعة:
• تجريد “حماس” من سلاحها كمدخل إلزامي للمرحلة الثانية في غزّة.
• إستهداف لبنان طالما أن “حزب الله” متشبث بالسلاح.
• إقامة القواعد العسكريّة الإسرائيليّة في إقليم “أرض الصومال”.
• وترك الأبواب المفتوحة على إيران مشرّعة أمام كل الاحتمالات.
لم يُسقط سوريا من حساباته. إمتثل مكرهاً لرغبات ترامب. لا يريد ترامب إثارة الكثير من المتاعب لتشويه علاقاته “الدسمة” مع كل من الرئيس التركي رجب الطيّب أردوغان، وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان. ألحّ على نتنياهو أن يبادر إلى تدوير زواياه الحادة مع دمشق، والسعي إلى فتح صفحة جديدة مع الرئيس أحمد الشرع. وكان حوار باريس “إيجابيّاً”، رغم غياب مؤشرات “الإيجابية” عنه، لكن “الملائكة” الأميركيّة كانت حاضرة، وهي التي دعت إليه، ورتّبت جدول الاعمال، ونسّقت المحادثات، والنتائج، وشدّدت على “الإيجابيّة”، لترك الباب مفتوحاً أمام جولات جديدة للوصول إلى ما يفترض أن تصل اليه العلاقات السوريّة ـ الإسرائيليّة مستقبلاً برعاية أميركيّة.
كان لافتاً التوقيت الذي حصل فيه الإتصال بين ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والرئيس الشرع، لبحث آخر المستجدات. وكان آخرها حوار باريس الذي كان منعقداً ما بين الوفدين السوري والإسرائيلي، الأمر الذي سلّط الضوء على نسبة “الايجابية” المطلوبة، لإبقاء شعلة الحوار متقدة، والأبواب غير موصدة، وإنتقال البحث إلى ملفات أخرى على صلة بالدور الإسرائيلي المتنامي في المنطقة.
يهمّ المملكة العربيّة السعوديّة أن تراعي الأوضاع الحسّاسة الناشئة إنطلاقاً من خطف الرئيس الفنزويلي إلى نيويورك، ومصير ومستقبل الإحتياط النفطي في كاركاس، ومدى تأثيره على الأسواق العالميّة للطاقة. والوضع الدقيق الذي تجتازه إيران في ظلّ ظروفها الإقتصادية الصعبة. والتطورات في جنوب اليمن، والتي أدت إلى إشكاليّة في العلاقات السعوديّة ـ الإماراتيّة. و”الفتح” الإسرائيلي الجديد في إقليم “أرض الصومال” الانفصالي. والحديث عن قاعدة عسكريّة إسرائيليّة مشرفة على الممر البحري الإستراتيجي في تلك المنطقة الحيويّة. والتفاهم على مناطق صوماليّة تستضيف الغزيّين المبعدين من القطاع!
إن الاشراف السعودي ـ الأميركي ـ التركي على مسار العلاقات السوريّة ـ الإسرائيليّة، يفتح الباب أمام أسئلة صعبة تدهم لبنان العالق ما بين لجنة “الميكانيزم” من جهة، والإعتداءات الإسرائيليّة من جهة أخرى، والممانعة الإيرانية كطرف محوري، كون طهران هي الوكيل الحصري “للسلاح”، وعندها الكلمة الفصل في تقرير مصيره.
وما يميّز المسار اللبناني عن المسار السوري، أن الأخير قد تحرّر من نفوذ جماعة “السلاح”، وليس من دور إيراني نافذ ومؤثر على مجريات الأمور في الداخل السوري، بخلاف لبنان الذي لا يزال يحاول عن طريق الحوار والدبلوماسيّة معالجة منطق التطبيل، والتهويل، والتعطيل.
إن الغزوة الأميركيّة لكاراكاس، قد أطلقت يد نتنياهو في الإقليم. لا رادع يمكن أن يردعه، ويمنعه من إستخدام القوّة المفرطة لفرض مشاريعه وخياراته، سواء في غزّة أو لبنان، أو سوريا، أو سائر ساحات المحور، وبإستقلالية أكبر.
هذا لا يعني خروجاً عن التفاهمات التي توصل إليها مع ترامب في منتجع مارالاغو، لكن ما حصل في فنزويلا، يوفّر له حوافز جديدة تمكّنه من إستغلال كل الفرص المتاحة، كي يراكم من إنجازاته، ويستحوذ على بطاقة إنتخابيّة مذهّبة يعرف كيف يجيّرها لمصلحته في بورصة المنافسات، للفوز بولاية جديدة في رئاسة الحكومة في “إسرائيل”.
كيف سيتعاطى نتنياهو مع لبنان من الآن فصاعداً؟ وهل ستحافظ “الميكانيزم” على حدود صلاحياتها جنوب نهر الليطاني، أم ستتمدّد لتشمل كامل مساحة الـ10452 كيلومتراً مربعاً؟ وهل تتمكّن “إسرائيل”، وبدعم أميركي، من إنهاء الحضور الأممي والفرنسي في عضوية “المكيانيزم”، لتصبح طاولة الحوار حكراً على الوفدين اللبناني والإسرائيلي برعاية الولايات المتحدة، لتحقيق الأهداف المرسومة بإتقان؟!













