الجمعة, يناير 9, 2026
spot_img
spot_img
spot_img
الرئيسيةسياسةقريباً يُكشَف "أبو عمر" الحقيقي

قريباً يُكشَف “أبو عمر” الحقيقي

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

| طارق ترشيشي |

ما من لبناني يؤيّد سياسة المملكة العربية السعودية في لبنان أو لا يؤيّدها إلّا واستاء، بل شعر بالمهانة، عند انكشاف فضيحة ما سُمّي “أبو عمر” الذي ادّعى أنّه “أمير سعودي”، واحتال على مجموعة من السياسيين اللبنانيين الطامحين لخَطب ودّ المملكة والحصول على دعم سياسي ومعنوي، وربما غير معنوي، للوصول إلى مناصب في هرم السلطة اللبنانية.

ولقد اعتقد السياسيون الذين وقعوا ضحية، او انساقوا، وراء هذه الظاهرة المتجددة التي تقمّصها هذه المرّة شخص سمّى نفسه “أبوعمر” (وهو اللبناني مصطفى الحسيان من مواليد وادي خالد في عكار) وادّعى انّه “أمير سعودي” و”ينتمي” إلى الديوان الملكي، أنّ في إمكانه أن يوصلهم إلى مرادهم، معتقدين أنّ المملكة باتت لها اليد الطولى أو “الآمر الناهي” في الشأن اللبناني، خصوصاً بعد انتهاء الحقبة السورية. وقد تجاوز هؤلاء في ما ذهبوا إليه السفير السعودي الدكتور وليد البخاري، وهو سفير خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهده الامير محمد بن سلمان في لبنان، وكذلك هو المرجع والممثل الوحيد للمملكة في بلد الأرز.

وراهن هؤلاء السياسيون، على انّ إغداق “العطاءات” على “أبو عمر” ومشغّليه المعلومين والمُتخفين في الداخل والخارج، سيوصلهم إلى ما يبتغون من مناصب رفيعة في الدولة، ليتفاجأوا أخيراً أنّ رهانهم كان على سراب، وكانت الفضيحة المدوّية، لأنّ القيادة السعودية المعروفة بديبلوماسيتها الرصينة والمتحفظة، لا يمكن أن ينطلي عليها أمرٌ من هذا النوع. ذلك انّ النهج الذي اختطه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، حسب عارفين بشؤون المملكة، ضَبَط المؤسسات بنظام مرصوص، بحيث أن لا شيء غير سليم او غير قانوني يمرّ فيها حتى ولو من “خُرم” إبرة الحياكة. وهذا النهج، يُلزم مؤسسات الدولة عموماً والمؤسسة الديبلوماسية خصوصاً بعمل حصري ومحكم، بحيث تمارس صلاحياتها كل في نطاقها، ويمنع أي تدخّل في هذه المؤسسات من خارج الإطار الرسمي. فليس في السعودية وساطات ولا مجاملات ولا “مونات”، اعتقد ضحايا “أبو عمر” أنّه يستطيع ان ينجح فيها على الطريقة اللبنانية.

والواقع انّ ظاهرة “ابو عمر” كانت قيد الرصد والمتابعة منذ العام 2018، عندما لاحظ السفير بخاري والمعنيون في المملكة، انّها تبرز وتنشط في مواسم الاستحقاقات الدستورية اللبنانية، خصوصاً، وصادف يومها الموسم الانتخابي النيابي الذي كان مقرراً ربيع ذلك العام، وقد اكتشفها السفير السعودي في شباط، اي قبل نحو 4 اشهر من موعد الانتخابات، فقطع دابرها بإصدار البيان الشهير في 11 من الشهر نفسه متضمنا الآتي:

“توضح سفارة المملكة العربية السعودية لدى لبنان، انّه نتيجة لمتابعتها، فقد لوحظ انّ اشخاصاً مجهولين يقدّمون أنفسهم في لبنان على أنّهم شخصيات سعودية اعتبارية، او ممثلين لجهات معينة، أو باحثين وغير ذلك، ويعقدون لقاءات مع شخصيات لبنانية مختلفة لأهداف غير معروفة، واتضح أنّ بعضهم لا يحمل الجنسية السعودية. وتهيب سفارة المملكة لدى لبنان بضرورة التثبت من هوية هذه الشخصيات وصفاتها قبل التعامل معها، وترحب بالتنسيق معها للاستفسار عن أي شخص يدّعي أنّه يمثل جهة سعودية. كما تحذّر من التعامل مع هذه الشخصيات المجهولة”. وقد أثارهذا البيان يومها حفظية أحد الباحثين اللبنانيين الحاصلين على الجنسية السعودية، والذي راجع السفارة ظناً منه انّه أحد المقصودين بالبيان، لكنه سمع منها التوضيح الذي أقنعه، ففهم وصمت.

وبعد انكشاف هذه الظاهرة، تلاشت او انكفأت، لكنها بقيت قيد الرصد والمتابعة لدى السفارة، إلى أن تبين انّ أصحابها عاودوا “النشاط” لمناسبة الاستحقاقات اللاحقة، من استحقاق 2022 النيابي إلى الاستحقاقين الرئاسي والحكومي العام الماضي، لتتجدد الآن لمناسبة الاستحقاق النيابي المقرر في ايار 2026 قبل أن تنكشف مع توقيف “أبو عمر” وبعض شركائه، على رغم من السرّية التي كانوا يحوطون تحركاتهم بها، إلى درجة أنّهم حرّضوا «ضحاياهم» من السياسيين على عدم الاتصال بالسفارة السعودية وبالسفير البخاري تحديداً، وحصلوا من هؤلاء الذين تمتلكهم شهوة السلطة على مبالغ طائلة بالعملة الصعبة، مقابل وعود «ابوعمر» المزعوم بإيصالهم إلى مراكز سلطوية رفيعة المستوى “بدعم سعودي” موهوم.

رأس الخيط في قضية “أبو عمر” كشفته السيدة بهية الحريري، عندما اتصل بها الأخير معزياً بزوجها المرحوم مصطفى الحريري، مدّعياً التعزية باسم الديوان الملكي، فاستغربت هذه “الطريقة السعودية” غير المعتادة في مثل مناسبة كهذه، فسارعت إلى إخبار الرئيس سعد الحريري بما حصل، فأدرك الأخير سريعاً أنّ في الأمر تزويراً ما، فالرجل هو ابن المملكة ويعرف طبيعة عمل مؤسساتها والبروتوكولات التي تعتمدها القيادة السعودية في مناسبات من هذا النوع. علماً انّ الذين يعرفون المملكة وعاشوا فيها، يدركون انّه لا يوجد فيها أمير يدعى “أبو عمر”، وأنّ اسم عمر (وهو اسم الصحابي الجليل والخليفة عمر بن الخطاب) ليس موجوداً في العائلة المالكة من أبناء الملك المؤسس عبد العزيز إلى أولاده وأحفاده وأولاد الأحفاد. وعندما زار السفير البخاري السيد بهية معزياً فاتحته في الأمر وما دار بينها وبين الحريري، الأمر الذي قاد إلى انكشاف اللعبة وتوقيف “ابو عمر” المزعوم، ثم بعض شركائه او المشتبه فيهم.

لكن الأخطر الذي انكشف، هو انّ هناك “أبو عمر” آخر قد لا تكون كنيته «ابو عمر»، خلف “ابو عمر” المزعوم والموقوف، وربما يكون هو الآخر أميراً مزيفاً ادّعى الإمارة لنفسه، وانّه “لصيق” بالديوان الملكي، ليحتال على السياسيين اللبنانيين ممن يتحكّم بهم الهوس بالسلطة، ويعدهم بـ”دعم سعودي” بإيصالهم إلى “جنة” السلطة في النيابة او الوزارة وربما إلى مواقع رئاسية معينة، مقابل مبالغ كبيرة قيل انّه طلبها منهم لشراء “هدايا قيّمة” تليق بالجهات التي ستتولّى أمر إيصالهم إلى ما يطمحون.

ويبدو انّ “أبو عمر” الحقيقي يدير اللعبة من خلف ستار، ويشغل مجموعة من الأزلام، نصّبت بإيعاز من “أبو عمر” المزعوم “أميراً” لأنّه يتّقن اللكنة السعودية، وتمكّن من إقناع السياسيين الذين تسابقوا إلى خطب ودّه، بأنّه فعلاً “أمير سعودي”، مع العلم أنهم لم يروا وجهه، ولا وجه “أبو عمر” الحقيقي، والذي لا يزال مجهول الهوية. على انّ هؤلاء كانوا نشطوا في اتصالاتهم منذ أيام الاستحقاق الرئاسي الذي لم يكن لهم باع فيه، على رغم من محاولاتهم الدخول على خطه، لينغمسوا بعده مباشرة في الاستحقاق الحكومي. وهذان الاستحقاقان أُنجزا بين كانون الثاني وشباط من العام الماضي، بانتخاب العماد جوزاف عون رئيساً للجمهورية والقاضي نواف سلام لرئاسة الحكومة.

وعلى الأرجح، أنّ مناسبة تسمية سلام لرئاسة الحكومة هي التي كشفت عمق هذه القضية ـ الفضيحة، عندما نامت الغالبية النيابية على تقديرات لمصلحة الرئيس نجيب ميقاتي، لتتبدّل فجر يوم الإستشارات النيابية الملزمة لتسمية رئيس الحكومة لمصلحة سلام. فدخل طأبو عمر” ومشغلوه على خط بعض النواب، فبادروا إلى الاتصال بالنواب والكتل بصوت “ابو عمر” المُسَعوَد، طالبين منهم تسمية سلام، من مثل ما حصل مع تكتل “الاعتدال الوطني”بشهادة النائب أحمد الخير، بحيث انّ “أبو عمر” أراد من هذه الاتصالات التأكيد لمن اتصل بهم، أنّه يملك “كلمة السرّ” في تسمية سلام، في حين أنّ القاصي والداني يعرف انّ هذه الكلمة كانت في مكان آخر، صادف انّ التكتل لم يكن قد تبلّغها بعد. ولكن “أبو عمر” المزيف اراد أن يثبت بالنيابة عن “ابو عمر” الاصلي لهؤلاء النواب ولغيرهم، انّه حامل “كلمة السّر” ليعزز “صدقيته” لديهم، ويتمكن لاحقاً من قبض مبالغ مالية كبيرة منهم مقابل “وعوده” الكاذبة بالتوزير في الحكومة او بـ”التنويب” في مجلس النواب المقبل. وطبعاً كانت الحجة انّ هذه المبالغ هي لشراء الهدايا لـ”أصحاب القرار”.

وفي النهاية انكشفت اللعبة وقُبِضَ على «أبو عمر» وبعض مشغّليه أو المستفيدين من عمولات “أبو عمر” الأصلي، الذي ستكشف التحقيقات الجارية عاجلاً أو آجلاً هويته الحقيقية، سواء كانت لبنانية او سعودية او إماراتية او غيرها..

لكن هذه القضية أشعرت المسؤولين السعوديين واللبنانيين بخيبة كبيرة، وساءهم، بل وأثار استغرابهم كيف أنّ بعض السياسيين في لبنان وبينهم وجوه بارزة، انساقوا خلف “أبو عمر” وصدّقوا أكاذيبه، فيما هم يعرفون السعودية عن ظهر قلب، ويدركون طبيعة تعاطيها مع الشأن اللبناني. لكن حال السلطات في لبنان والمملكة تقول: “ربّ ضارّة نافعة”. وهي تترك للقضاء أن يقول كلمته الفصل في ما حصل. فما انكشف حتى الآن كان رأس جبل الجليد والبقية آتية.

spot_img
spot_img

شريط الأحداث

مقالات ذات صلة
spot_img
spot_img