
| يوسف دياب |
يوماً بعد يوم، تتعزز الأدلة المستقاة من التحقيقات الأمنية والقضائية التي ترجّح تورط جهاز الموساد الإسرائيلي فيعملية استدراج وخطف النقيب في الأمن العام اللبناني المتقاعد أحمد شكر، الذي فُقد أثره قبل نحو أسبوعين فيظروف غامضة. ومع تقدم التحقيقات التي تقودها شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي، تتكشف معطيات نوعيةتضع القضية في خانة العمليات الاستخباراتية المنظمة.
تجاوز مرحلة الشبهات الأولية
ولم تفضِ عمليات البحث عن أي أثر للنقيب شكر على الأراضي اللبنانية أقلّه حتى الآن، وقال مصدر قضائي لبناني بارزلـ“الشرق الأوسط“: “كل الأدلة والمعطيات التي تم جمعها حتى الآن ترجّح الفرضية الأمنية لاختطاف شكر»، مؤكداً، أن التحقيقات “تجاوزت مرحلة الشبهات الأولية، ودخلت في تحليل معمق لمسار الاستدراج، وحركة الاتصالات،والوقائع الميدانية التي سبقت لحظة الاختفاء وتلتها“، علماً أن المعلومات تشير إلى أن عملية اختطافه ترتبطبالاشتباه بعلاقته بملف اختفاء الطيار الإسرائيلي رون آراد في جنوب لبنان عام 1986.
أبرز الخيوط
أبرز الخيوط التي عززت هذه الفرضية، وفق تعبير المصدر القضائي، تمثل في “رصد دقيق لحركة الاتصالات الداخليةوالخارجية التي جرت مع شكر خلال الساعات والأيام التي سبقت استدراجه إلى منطقة الكرك القريبة من مدينة زحلةفي البقاع، حيث اختفى هناك في ظروف لا تزال قيد التحقيق“، مشيراً إلى أن “المعطيات أظهرت نمطاً غير اعتيادي،يوحي بوجود تنسيق محكم وعابر للحدود“.
وشكر هو من عائلة الرجل الثاني في “حزب الله” فؤاد شكر الذي سبق أن اغتالته “إسرائيل” في 30 يوليو (تموز) 2024 في غارة جوية على مبنى في حارة حريك بالضاحية الجنوبية لبيروت.
لكن كان عبد السلام، شقيق حسن، رفض ربط العائلة بنسب إلى فؤاد شكر، بالقول: “لم يكن أحد من أبناء البلدةيعرف فؤاد شكر أصلاً… منذ مطلع الثمانينات خرج من البلدة ولم يعد إليها، وكان بعيداً عن أقربائه“، مشدداً على أنشقيقه، ومنذ تقاعده من الخدمة العسكرية، “لم يخرج خارج البقاع. التزم بيته، ويلعب الورق مع أصدقائه ليلاً“.
تخطيط مسبق ومحكم
وفي تطور بالغ الدلالة، كشف المصدر عن دليل وُصف بـ“المهم” تمثّل في تسجيلات كاميرات المراقبة، مضيفاً أن“كاميرات المراقبة التقطت صورة سيارة في منطقة الكرك، في التوقيت الذي جرى فيه استدراج شكر واختفاؤه،والسيارة نفسها شوهدت في الليلة ذاتها متجهة من بيروت إلى طريق مطار بيروت الدولي، وكانت تقلّ شخصاًسويدياً يُشتبه في مشاركته المباشرة بعملية الاستدراج والخطف“.
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ تحققت الأجهزة الأمنية من مسار الرحلة التي غادر عبرها الشخص السويديالأراضي اللبنانية، وأوضح المصدر القضائي أن الرجل “سافر إلى الخارج بعد ساعات قليلة من الحادثة، وبات لدىالمحققين المعلومات الكافية عن الرحلة التي غادر عبرها ووجهته، وهذا مؤشر إضافي على وجود تخطيط مسبقومحكم، يتجاوز قدرة شبكات محلية تقليدية“.
معطى جديد
ويبدو أن عملية اختطاف أحمد شكر باتت واحداً من أخطر الملفات الأمنية في لبنان، لما تحمله من أبعاداستخباراتية وأسئلة كبرى حول الاختراقات الأمنية، وحدود المواجهة الخفية بين لبنان و“إسرائيل“. وبالتوازي، برزمعطى جديد أعاد تسليط الضوء على اسم اللبناني ع. م. المقيم في كنشاسا، والذي سبق له التواصل مع شكر،وطلب منه مساعدة أشخاص قال إنهم يرغبون في شراء عقار في منطقة البقاع، وكان هذا التواصل وسيلة أساسيةللاستدراج، حيث عاد م. من الخارج وسلّم نفسه للأجهزة الأمنية.
وتضاربت الروايات حول سبب عودة م. إلى بيروت، بعد أن كان قد صدر بحقه بلاغ بحث وتحرٍّ للاشتباه بدور محتملله في القضية. ففي حين ترددت معلومات عن “تعرضه لضغوط من الجالية اللبنانية في الخارج لدفعه إلى العودةوتسليم نفسه“، أوضحت مصادر مواكبة للتحقيق أن م. قدّم رواية مختلفة تماماً. وأكدت هذه المصادر لـ“الشرقالأوسط“أن الأخير أعلن أنه “وقع أيضاً ضحية المجموعة نفسها التي أوقعت بأحمد شكر وخطفته، وأنه حضر إلىلبنان بملء إرادته بهدف تبرئة نفسه ووضع ما لديه من معطيات بتصرف الأجهزة الأمنية“.
وفق المعلومات الأمنية، وصل م. مساء الأحد إلى بيروت، حيث خضع لتحقيق أولي لدى جهاز الأمن العام، قبل أنيسلّمه الأخير إلى شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي، بإشارة من النائب العام التمييزي القاضي جمال الحجار،الذي يشرف شخصياً على مجريات التحقيق نظراً لحساسية القضية وتشعباتها.
انتهاء التحقيق خلال أيام
وأكدت المصادر أن التحقيق الأولي مع م. “يُفترض أن يُستكمل خلال مهلة أقصاها ثلاثة أيام، على أن يُعلن بعدها عنالنتائج التي خلصت إليها التحقيقات، وما إذا كانت روايته ستتطابق مع المعطيات التقنية والأدلة المتوافرة لدىالأجهزة“.
الطيار الإسرائيلي رون آراد الذي فُقد عام 1986 في جنوب لبنان (سلاح الجو الإسرائيلي)
وبعدما كانت قد كشفت مصادر “الشرق الأوسط” أن الضابط المفقود هو شقيق حسن شكر الذي كان مقاتلاً ضمنالمجموعة التي شاركت في أسر الطيار الإسرائيلي رون آراد إثر إسقاط طائرته في جنوب لبنان في 16 أكتوبر (تشرينالأول) 1986، قال شقيقه: “حسن دخل الخدمة العسكرية في 1979، ما يعني أنه كان (ابن دولة) حين اختفى آراد فيعام 1986… ومن المعروف أن ابن الدولة لا يتعاطى الأحزاب.













