| نورما أبو زيد |
“لم ترتفع قيمة الفولاذ صدفةً، ولم يهبط سعر التنك ظلماً”. بهذه الجملة المقتضبة، ولكن المعبّرة، يرسم مرجع كبير مقارنة صريحة بين النائبة بولا يعقوبيان وبين ما يسمّيه شخصيات “التنك”.
يقول المرجع: “عند اختبار المعادن، لا يمكن للتنك أن يواجه الفولاذ… وما كان للفولاذ أن يكون غالياً لو لم يُختبر، وما كان للتنك أن يكون رخيصاً لو لم يُكشف خواؤه”. ويضيف: “القيمة لا تُمنح لمن يُصدر ضجيجاً، بل لمن يحتمل الثقل، ويصمد تحت الضغط. وفي السياسة ـ كما في الصناعة ـ هناك من تُقاس قيمته ببريق أعماله وبصلابة مواقفه وقدرته على الصمود تحت الضغط، وهناك من هو صوته أعلى من وزنه، يلمع لحظة ثمّ يأكله الصدأ”.
انطلاقاً من مقاربة المرجع الكبير، لا تستوي النائبة بولا يعقوبيان، بما أظهرته من صلابة الفولاذ، مع شخصيات “التنك” الذين يزركون رؤوسهم في زوايا ضيقة.
واجه بولا يعقوبيان نواب استخدموا الشتائم ضدها، كلاماً وتعبيراً ورموزاً، من بينهم: فؤاد مخزومي، سليم عون، غسان عطالله، والنائب السابق حكمت ديب.
“الفولاذية” يعقوبيان تبرز، ضمن قلّة، كقيمة مضافة داخل مجلس النواب. لا يُقاس وزنها ببريقها أو صلابتها فحسب، بلّ بإنتاجها التشريعي، وثباتها على مبادئها، وتماسك مواقفها، مقابل أصوات عالية لمن يمارسون ذكورية فاقعة، ويتكئون على استعراضٍ أعرج.
ليست صلابة بولا يعقوبيان استعراضاً، بلّ حصيلة عمل تشريعي كثيف، يضعها في موقع المشرّعة الأولى في المجلس النيابي، برصيد ناهز 810 اقتراحات قوانين. رقمٌ لا يُقاسُ بالكثرة فقط، بلّ بالنوعية أيضاً.
فالنائبة الأنثى، التي لا تُثقلها عقدٌ تجاه بنات جنسها، تقدّمت باقتراح قانون يرمي إلى القضاء على جميع أشكال العنف والتمييز ضدّ المرأة.
والنائبة البيئية، التي لا تتعاطى مع الملفات العامة من باب المزايدة، بلّ من منطلق السياسات المستدامة، تقدّمت باقتراح قانون لإلزامية فرز النفايات من المصدر. ولعلّ الهفوة الوحيدة في هذا المسار، أنّها لم تحتسب أنّ معالجة النفايات ينبغي أن تبدأ بتنظيف السياسة قبل الانتقال إلى ما عداها.
والنائبة النظيفة، التي ترغب بوطنٍ على صورتها لا على صورة زعمائه، تقدّمت بمشروع قانون لإزالة صور الزعماء من الأماكن العامة، كفعل تطهيرٍ فعلي للفضاء العام من عبادة الأشخاص، وإعادة رفع سقف الدولة فوق رؤوس الجميع.
والنائبة المثالية، التي اختارت أن تكون مثالاً لا تمثالاً، بادرت بنفسها إلى رفع الحصانة عن نفسها، وتقدّمت باقتراح مشروع قانون يرفض تحويل الحصانات إلى دروع للإفلات من العدالة في جريمة انفجار مرفأ بيروت، واضعةً حقّ الضحايا فوق الحمايات المصطنعة.
والنائبة الصادقة، اقترحت علنية جلسات اللجان النيابية، تعزيزاً للشفافية.
والنائبة الوطنية، تجاوزت الطائفية واقترحت قانوناً موحداً للأحوال الشخصية، انطلاقاً من إيمانها بأنّ العدالة لا تتجزأ.
والنائبة اللبنانية، تقدّمت باقتراح مشروع قانون لتكريس الحياد الإيجابي للبنان، صوناً له من زجّه في صراعات لا ناقة له فيها ولا جمل.
هكذا تُقاسُ قيمة النائبة بولا يعقوبيان بتراكم الأفعال المفيدة، كفعلٍ من أفعال المقاومة المدنيّة. علماً أنّ أفعالها المفيدة لا تقتصر على التشريع، بل تمتدّ إلى مساءلة الحكومات، وتقديم الطعون الدستورية. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: هل نطالبُ بمزيدٍ من الفولاذ في ساحة النجمة، أم سنظلّ محاطين بشخصيات “التنك”؟
للانضمام إلى مجموعات “الجريدة” على “واتس آب” إضغط على الرابط
https://chat.whatsapp.com/D1AbBGEjtWlGzpr4weF4y2?mode=ac_t
لا تعبّر المقالات بالضرورة عن موقف أو رأي موقع “الجريدة” وإنما تعبّر عن رأي كاتبها













