| جورج علم |
تتهيب طهران محاذير العلاقات المأزومة مع لبنان. خرجت المناكفة إلى العلن، بعد طول صمت، وكبت. وبالتالي عليها أن تعيد النظر قبل أن يتمكّن الإسرائيلي والأميركي، وأيّ دخيل آخر، من تعميق الشرخ.
آن الأوان أن تتصالح مع نفسها، وأن تطهّر قناعاتها من الأوهام، وأن تقرّ بأن محور الممانعة قد سقط، وأن الهيمنة على عواصم عربيّة أربع قد أصبح من الماضي، وأن ما تبقى من سلاح لدى “حماس”، و”حزب الله”، وبعض الفصائل العراقيّة، لن يغيّر شيئاً من التمدّد الأميركي ـ الإسرائيلي في المنطقة.
زمن الأول تحوّل. كان “حزب الله” قوّياً، ممسكاً بقرار الحرب والسلم، يملي شروطه، ويأخذ الدولة والوطن إلى حيث ما تقتضي مصالحه، ومصالح محوره. كان الضرر الذي يلحقه بسمعة لبنان ومصالحه العليا مسكوتاً عنه، وتمّ إستيعابه حرصاً على السلم الأهلي، وتحاشي الإنزلاق نحو حرب أهليّة طاحنة. لكن بعد عودته المكلفة من “طوفان الأقصى”، و”جبهة المساندة”، كانت الأرقام صادمة، والوقائع كارثيّة. وبدلاً من مواجهة الحقائق، إنتقل إلى سياسة الإنكار، وراح يحمّل الدولة المسؤوليّة. الدولة مسؤولة عن مواجهة العدو، ووقف العدوان. الدولة مسؤولة عن إعادة الإعمار. الدولة مسؤولة عن تثبيت النازحين بأرضهم ووفق إطار دورتهم الإقتصاديّة ـ المعيشيّة، فيما مسؤوليته هو أن يتشبث بالسلاح، ويكون وفيّاً مطواعاً للإملاءات الخارجيّة عليه، صادقاً مخلصاً لما يطلب منه، حتى ولو كان ذلك على حساب مصالح لبنان واللبنانييّن، والبيئة الإجتماعيّة التي ينتسب اليها.
يعرف القيّمون على إدارة شؤون الحزب، أن من مصلحة إيران أن تكون على علاقات نديّة وثيقة مع لبنان. وقد ضحى لبنان بالكثير حرصاً على هذا المستوى المطلوب. لكن رقصة “التانغو” لا تكون من طرف واحد. وليس مقبولا أن يأتي مسؤول رفيع من طهران إلى قلب العاصمة بيروت ليعلن بأن قرار الحكومة بحصر السلاح لن يكتب له النجاح، ولا يساوي قيمة الحبر الذي كتب به!
لماذا هذه المكابرة؟ لماذا هذا الخطاب الفوقي الإستفزازي النافر؟ لأن سياسة إيران لم تتغيّر، لا على مستوى الإقليم، ولا حتى على مستوى عواصم دول القرار!
هناك خلل ما في الداخل يفترض إصلاحه. هناك حقائق فرضت نفسها على أرض الواقع، سواء في غزّة، أو لبنان، أو سوريا، وحتى العراق واليمن، لا يمكن التعاطي معها بالأسلوب الذي كان معتمداً، والذي أوصل الأمور إلى ما هي عليه الآن.
تغيّر لبنان، لم يعد في زمن الفراغ، والتسيّب، والفوضى. هناك رئيس للجمهوريّة، وخطاب القسم. هناك حكومة ولها بيانها الوزاري. وهناك مؤسسات دولة، وشرعيّة عادت لتمارس دورها السيادي.
تغيّر “حزب الله”. لم يعد بإستطاعته أن يأخذ الدولة إلى حيث يريد، بل أصبح يستجير بعباءتها ليغطّي ما جادت به أفعاله وممارساته من مصائب ونوائب.
تغيّر الجنوب، سقطت الحصون والقلاع والأنفاق، ومعها الحسابات الإقليميّة. لم يعد من صهوة حصان لجنرال الفيلق، ولا مرتع خيل. قد يجد زاوية في الضاحية يتوسط أضلعها، ولكن لن يجد وسادة إطمئنان يسند إليها رأسه.
سقطت الأقنعة. تمزقت القفّازات الحريريّة، ولم يعد للغة الإيرانيّة المنمّقة من صدى إيجابي في بيروت. والكلام عن علاقات نديّة مع الحكومة اللبنانيّة، وعن إحترام لإستقلال لبنان، وسيادته على أراضيه، يحتاج إلى قاموس جديد، ومقاربات جديدة. ولم تعد دبلوماسيّة المراوغة ملكة الطموحات والقناعات في زمن إنقلاب المقاييس، والتوازنات، والتحالفات، بل المطلوب دبلوماسيّة جديدة مختلفة، ولغة يستذوقها الحس الوطني، ومقاربة للأمور تأخذ المتغيّرات الطارئة والمستمرة بعين الإعتبار.
لقد أخرج وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجّي الأزمة مع إيران من مضارب التكتم، والتستر، والصمت، ليضعها مكشوفة الرأس تحت شمس الحقيقة الحارقة.
وجاء كلام رجّي متزامناً مع كلام رئيس الحكومة نواف سلام الذي أعلن الإنتقال إلى المرحلة الثانية من حصر السلاح، من شمال الليطاني، حتى نهر الأولي.
الموقفان رسميّان صادران عن حكومة يشارك في عضويتها “حزب الله”، وحظيت مرّتين بثقة المجلس النيابي.
ويتزامن الموقفان مع توجّه أنظار العالم إلى المنتجع السياحي للرئيس الأميركي دونالد ترامب حيث من المقرّر أن يلتقي برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ليتفاهما على مواصفات اليوم التالي في كلّ من قطاع غزّة، والضفة الغربيّة، ولبنان، وسوريا، والعراق، وصولاً إلى إيران.
ولم تكتف الصحافة الإسرائيليّة بالتلميح، بل بادرت إلى التصريح، وأعلنت بأن نتنياهو يذهب إلى مقابلة الرئيس الأميركي، وفي جعبته خطة حرب لمواجهة إيران، محمّلاً القيادة الإيرانيّة مسؤولية ما يتعرّض له المسار الأميركي ـ الإسرائيلي في غزّة، ولبنان، وسوريا، وسائر جبهات “المحور” من هنّات وخيبات، طالما ان “حماس” متمسّكة بسلاحها، وأيضا “حزب الله”، وبعض فصائل “الحشد الشعبي”.
قد يكون لإيران وجهة نظر مغايرة تقتضيها مصالحها ودورها وحضورها فوق الرقعة الجغرافيّة العربيّة. لكن في لبنان المنفتح، المتنوع، لا مصلحة لها في أن تربح الحزب، وتخسر الدولة. فلا الحزب قادر أن يكون الدولة لألف سبب وسبب، ولا الدولة قادرة أن تستمر في حمى الحزب لألف سبب وسبب. وما بين النقيضين يفترض بطهران أن تعيد النظر، وتستخلص العبر!













