الإثنين, فبراير 16, 2026
spot_img
spot_img
spot_img
الرئيسيةSliderبين أميركا والفوضى.. "9 وجباتٍ" فقط!

بين أميركا والفوضى.. “9 وجباتٍ” فقط!

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

| كيان الأسدي |

حين نطق ألفرد هنري لويس عبارته الشهيرة: “There are only nine meals between mankind and anarchy”، لم يكن يلقي حكمة عابرة أو يخوض في مبالغة أدبية، بل كان يقدّم تشخيصًا مرعبًا لحقيقة اجتماعية وسياسية يعرفها الأميركيون أكثر من غيرهم: أن الحضارة الحديثة أرقُّ بكثير مما نتصور، وأن المجتمع المتخم بالممتلكات والتكنولوجيا والرخاء قد يتحول في لحظة إلى كتلة هائجة من الغرائز إذا اختفت “وجباته” القليلة المتتابعة.

كان لويس يرسم صورة دقيقة لواقع المجتمع الأميركي في مطلع القرن العشرين. لكن المفارقة أنه وصف، من دون أن يدري، واقع القرن الواحد والعشرين أيضًا. فقد أراد أن يقول إن الاستقرار الاجتماعي والحضاري في الغرب، وفي الولايات المتحدة خصوصًا، قائم على نظام اقتصادي حساس للغاية. وإن أيّ عاصفة مالية، أو انقطاع في سلاسل التوريد، أو شحّ في المواد الغذائية، لن يحتاج أكثر من ثلاثة أيام فقط كي يُظهر هشاشة هذا الاستقرار. عندها تتكشّف الصورة الحقيقية: مجتمعات منظمة من الخارج، لكنّها مهددة دائمًا من الداخل بانهيار سريع إذا اختلَّ ميزان “الوفرة”.

الولايات المتحدة، على اتساعها وقوتها، هي في الحقيقة بلد يعتمد اعتمادًا مطلقًا على تدفق الغذاء والمواد الأساسية بلا انقطاع. المدن الكبرى: نيويورك، لوس أنجلوس، شيكاغو… تعيش على مخزون طوارئ لا يتجاوز أيّامًا معدودة. إذا تعطلت الشاحنات، أو أغلقت المصانع، أو توقفت سلاسل التوريد، فإن المتاجر ستصبح فارغة خلال ساعات، لا أيام.

هذا ما يجعل عبارة لويس أشبه بـ”جرس إنذار” دائم يقرع في الوعي الأميركي: الجوع هو الشرارة التي تُسقط القوانين، وتكشف الوجه الحقيقي للمجتمع.

ولأن هذا الخوف من “انقطاع الوجبات” متجذر في العقل السياسي الأميركي، أصبحت الإدارات المتعاقبة حسّاسة جدًا تجاه أي منافس اقتصادي يهدد الدور الأميركي في العالم، خصوصًا الصين التي تمثل اليوم أكبر قوة يمكنها إعادة تشكيل السوق العالمية.

إذا فقدت الولايات المتحدة تفوقها الاقتصادي، فقد تفقد قدرتها على تمويل شبكات الاستقرار الداخلي، وذلك يعني اقتراب احتمال الفوضى التي تحدّث عنها لويس.
لهذا السبب، باتت واشنطن تميل إلى استخدام العنف السياسي، والحروب الاقتصادية، وإشعال مناطق التوتر في العالم، لضمان أمر واحد فقط: أن يبقى الداخل الأميركي في حالة استقرار، وأن تبقى “الوجبات التسع” مؤمّنة مهما حدث.

إنها معادلة قاسية ولكنها واقعية: الفوضى في الخارج… ثمناً للأمان في الداخل.

لهذا، حين تنتشر الأزمات في الشرق الأوسط، أو أفريقيا، أو أوروبا الشرقية، فإن السوق الأميركية تسير بخطى ثابتة، وتستمر تدفقات السلع والغذاء، ويطمئن المواطن الأميركي، لأن صراعات العالم تصرف الأنظار بعيدًا عنه، وتضمن استمرار الهيمنة الاقتصادية التي تحميه من سيناريو الفوضى.

وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة تُقدَّم للعالم على أنها “بلد القانون”، إلا أن التجارب التاريخية تكشف وجهًا آخر مختلفًا تمامًا.

عند كل كارثة طبيعية، وعند كل إعصار، وعند كل انقطاع للكهرباء أو اضطراب أمني، نشاهد نفس المشهد يتكرر: نهب جماعي للمتاجر، صدامات في الشوارع، طوابير من الفوضى، وسلوكيات تتراجع فيها القيم أمام غريزة البقاء.

هذه المشاهد، التي رأيناها في إعصار “كاترينا” أو في احتجاجات عام 2020، ليست استثناءات، بل هي جزء من بنية نفسية واجتماعية ثابتة.

وهذا يكشف حقيقة أكبر: المجتمع الأميركي تحكمه القوة قبل القانون. فمن دون حضور الأمن، يختفي القانون خلال ساعات. ومن دون وجود الطعام، تتبخر الأخلاق خلال أيام.

مع ذلك، لا يجوز اعتبار الأميركيين أشرارًا، فالقضية أعمق من ذلك بكثير. إنّ غريزة البقاء هي التي تحكم الإنسان حين يشعر أن حياته أو حياة أسرته مهددة بالجوع.
وفي مجتمعات تعتمد اعتمادًا شبه كامل على السوق والمال والإنتاج الصناعي، يصبح فقدان الطعام أكثر خطورة من فقدان الأمن نفسه.

وهنا يتجلى معنى العبارة بوضوح مذهل: ليس بين الحضارة والهمجية جدارٌ صلب كما نعتقد… بل مجرد “تسع وجبات”. إذا اختفت، سقطت القوانين، وتلاشت الأخلاق، وظهر الإنسان في صورته الأولى: كائن يبحث عن الغذاء بأي وسيلة.

هذا هو جوهر الفكرة التي أراد لويس الإشارة إليها: أننا نبني حضارة عملاقة، لكننا نضعها على قاعدة هشة لا تزيد عن ثلاثة أيام من الطعام. وما لم نفهم هذه الحقيقة، سنبقى نعيش في وهم القوة بينما الأمن الحقيقي معلق بخيط رفيع.

للانضمام إلى مجموعة “الجريدة” عبر “واتساب”، إضغط على الرابط 

https://chat.whatsapp.com/D1AbBGEjtWlGzpr4weF4y2?mode=ac_t

spot_img
spot_img

شريط الأحداث

مقالات ذات صلة
spot_img
spot_img