| زياد أ. يمّين |
تعاني اليابان من تباطؤ اقتصادي إلى درجة أصبحت فيه وارداتها تقل عن نفقاتها، وغير قادرة على تغطية نفقات الصحة والضمان الإجتماعي والشيخوخة. ولهذا فهي تستدين من الداخل، حتى وصل دينها الداخلي من القطاع الخاص إلى 7 آلاف مليارد دولار، 70 % من الـ GDP من قروض صناعية، إسكان، التزامات بنوك، صناديق تقاعد وشركات تأمين.
لتسديد هذا الدين، لجأت رئيسة الوزراء تاكايتشي، ولأول مرة منذ 35 سنة، إلى التيسير المالي، وضخّت 135 مليار دولار في السوق، مدخلة إياه في حالة تضخمية. والأسوأ أنها تخلت عن سياسة الفوائد الصفرية ورفعتها على سنداتها المحلية فأصبحت 1.63% لأجل 10 سنوات، مع ارتفاع النسب للآجال الأبعد.
لم تعد بذلك طوكيو دولة ممتصة لأزمات السيولة الدولية كما قبل، فتغيرت بهذا قواعد اللعبة المالية العالمية، وتخلخل نظام المال الياباني المستقر، ولم يعد كما كان (قروض صفرية الفوائد)، ما أثار تساؤلات جدية عند مستثمريها ومصارفها وشركاتها وصناديق تحوطها حول قدرة بلادهم على تمويل دينه، فكم بالحري تمويل أصول دولية بـ 3,73 ألف مليار دولار، منها سندات خزانة أميركية بقيمة 1,1 ألف مليار دولار، وأوروبية بما بين 400 و600 مليار دولار، وغيرها من أصول شركات عالمية وأسواق ناشئة، ما قد يجبرهم على تهريب استثماراتهم من هذه المؤسسات للتقليل من خسائرهم المحتملة، كما فعلت شركة ” أساهي لايف” التي قلصت من سنداتها الأميركية فانضغطت الأسواق الأميركية وغيرها محدثة موجة “صدم” انطلقت من اليابان …
وإذا ما استمر هذا التخلي والبيع، فسيحدث فراغ مالي مرعب لا يقدر أحد على ملئه، فتجد بذلك المؤسسات وشركات المال الدولية المديونة نفسها غير قادرة على تسديد مستحقاتها (افلاسات). وهنا، قد تتخذ عدوى هروب الرساميل شكل الـ Domino Effect محدثة حالة ذعر عالمية، فتتعمق الأزمة أكثر. وكل هذا بسبب توقف المستثمرين اليابانيين عن شراء ديون الدول الكبرى اقتصادياً، فيضعف الإستثمار داخل كل دولة، وبالتالي دولياً، فيهبط الإنتاج والاستهلاك العالمي، وتهبط معهما أسعار أسهم كبرى الشركات، وهكذا دواليك…
وأي تراجع تراكمي مستقبلي من قبل طوكيو في شراء سندات وديون هذه الدول، وهذا جد وارد (لأنها أصبحت مديونة)، وخاصة الأميركية منها، سيخلق اضطرابات مالية حادة فيها، تنتقل ربما إلى دول أخرى في أوروبا (عدوى هروب الرساميل)، وتكون جرس إنذار حقيقي لما قد يحصل في هذه الدول التي تعاني من مشكلات كثيرة أصلاً جراء حرب أوكرانيا بسبب إرتفاع أسعار الطاقة .
الأكيد، أن السيولة اليابانية بدأت تهرب من سوق المال الدولي، ولكن غير المؤكد هو استمرارية هذا الهروب مستقبلاً، فإذا حصل ستكون طوكيو في موقع إشعال فتيل أزمة مالية عالمية أكبر من الـ 2008 لأنها تمول ديوناً بآلاف مليارات الدولارات، وهي ديون لن تمحى بين ليلة وضحاها. فإذا كانت اليابان وهي مركز تمويل العالم وشراء ديونه ستصبح غير آمنة مالياً، فإن دول العالم كله ستصبح كذلك، وستتعمق كوارثها.
لم ينفجر البركان بعد، ولكن في حال العكس، فهو سيجلب تبعات عالمية كارثية يتمنى الجميع ألا تحصل، والمستقبل وحده كفيل بقطع الشك باليقين، ولكن مؤشرات الإقتصاد العالمي لا تشي بذلك .













