
عشية زيارة الرئيس جوزاف عون الى سلطنة عمان اليوم، في اطار سعيه للاستفادة من دورها كوسيط موثوق في المفاوضات بين الولايات المتحدة وايران، حيث يسعى الى استكشاف امكانية اعتمادها كقناة خلفية لايجاد ثغرة يمكن النفاذ منها لاستعادة الاستقرار الى البلاد عبر استخدام قوتها الناعمة مع الاطراف المؤثرة على الساحة اللبنانية، تتزاحم الافكار الدبلوماسية التي تحاول الاستفادة من تراجع التهويل بالتصعيد العسكري، بعد خطوة «شراء الوقت» الجديدة بتعيين ممثلين مدنيين في لجنة «الميكانيزم» والتي قد لا تدوم طويلا اذا ما قررت «اسرائيل» اطلاق موجة جديدة من الضغوط للحصول على تنازلات لبنانية اقتربت من الوصول الى «القاع».
وفي هذا السياق، عادت الى التداول في «الكواليس» مجددا فكرة «تجميد» سلاح حزب الله بدل نزعه، وهي فكرة مصرية ولدت من «رحم» التسوية المفترضة في غزة، ويفترض ان يعاد تفعيلها بايفاد مبعوث جديد قريبا الى بيروت لم تحدد هويته بعد، فيما بدات هذه الفكرة تجد من يتلقفها في واشنطن ويبدي اهتماما بمناقشتها، فيما ما تسعى «لوبيات» اسرائيلية، واخرى لبنانية معادية للمقاومة على زرع الالغام في طريقها في محاولة لاجهاضها قبل ان تولد.
هذه المعطيات، تشكل خلاصة دبلوماسي غربي، لفت امام زواره الى ان المبعوث الاميركي توم براك لا يطلق تصريحاته جزافا، وبعيدا عن نظرياته حول القبائل التي تعيش في المنطقة، وتمنياته بضم لبنان الى سوريا، الا ان كلامه حول ملف سلاح حزب الله لا يبدو مجرد ثرثرة في غير مكانها، فتكرار القول بان نزع سلاح حزب الله امر غير واقعي، والافضل تحييده، اي ضمان عدم استعماله، نظرية بدأت تجد من يسوق لها في محيط الرئيس الاميركي دونالد ترامب في البيت الابيض، وان كانت الفكرة لم تنضج بعد.
لكن براك يعد احد المقربين من الرئيس الاميركي، وهو احد المنظرين للفكرة كحل واقعي طويل الامد للتخلص من سلاح حزب الله، وهو خاض «كباشا» ساخنا مع اعضاء في الكونغرس من المناصرين «لاسرائيل، وفي مقدمهم السيناتور لندسي غراهام الذي يخوض معركة مفتوحة، مع اعضاء آخرين من الحزب الجمهوري، لمنع تحول تلك الافكار الى قناعة لدى الرئيس دونالد ترامب.
وتعتقد اوساط سياسية بارزة، ان القمة الاميركية- الاسرائيلية نهاية الشهر الجاري، محطة مهمة واستثنائية لمعرفة مدى نضج التسويات المتعلقة بالساحة اللبنانية، وبينما تحتل المرحلة الثانية من خطة غزة الاولوية، وكذلك الملف السوري، في محادثات الرئيس ترامب مع نتانياهو في البيت الابيض، الا ان الحراك السياسي والدبلوماسي ـ والتصعيد الاسرائيلي على الجبهة اللبنانية، اعاد الملف اللبناني الى واجهة الاهتمام، في ظل قلق جدي في واشنطن من محاولات نتانياهو لتفجير الاوضاع، واشعال المنطقة، كمقدمة لنسف التفاهمات حول غزة والتي قبلها على «مضض» ويحاول التملص منها.
وتبدو الفرصة مواتية لمحاولة التاثير على الرئيس الاميركي مع اقتراب موعد الانتخابات النصفية، فالانقسام العمودي داخل معسكر الجمهوريين تجاه الدعم المفتوح «لاسرائيل» وازدياد الانتقادات ضدها من قبل مجموعة»اميركا اولا»، واتهامها بانها تورط الولايات المتحدة في حروب وصراعات هي بغنى عنها، تجعل من ترامب شديد الحساسية من اشتعال حرب جديدة في المنطقة، كونه يسعى الى توسيع تمثيل مجموعة «اميركا اولا» داخل الكونغرس، ولا يريد ان يدخل معها بصدام يقلل حظوظها لاسباب خارجية حتى لو كانت «اسرائيل».
ولان الرئيس ترامب مقتنع انه حان الوقت للاستفادة من نتائج الحروب سياسيا في المنطقة بعدما انخرطت فيها واشنطن على نحو مباشر، ولا داع لاستئناف القتال على اي جبهة لانتفاء الغرض منها في ظل قناعة ان اعداء «اسرائيل» في حالة من الضعف، تتحرك الدبلوماسية المصرية بالتنسيق مع السعودية وقطر، وكذلك باريس، بهدف تجنيب لبنان حربا اسرائيلية جديدة.
وفي هذا السياق، تتلاقى الافكار المصرية التي تتحدث عن فكرة «تجميد» السلاح مع القناعة القطرية بصوابية هذا الحل الذي تحاول ان تعممه في قطاع غزة مع حركة حماس، فيما لا يزال الموقف السعودي متحفظا، وليس معارضا بالمطلق،بينما لا تزال فرنسا غير حاسمة في موقفها، فهي تعتقد ان الفرصة المتاحة اليوم قد لا تتكرر للتخلص من سلاح حزب الله، لكنها لن تقف في وجه اي تفاهم يمكن ان يفضي الى اخراج السلاح من الخدمة لمدة طويلة، اذا كان نزعه مستحيلا راهنا!
واذا كانت المعلومات تشير الى وجود تواصل مصري- ايراني، بعد تحسن العلاقات الذي أثمر دخول القاهرة وسيطا بين طهران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، فان ثمة مستجدا دبلوماسيا يجب انتظار تبلور نتائجه، وقد يكون له انعكاسات على الساحة اللبنانية، وهو يرتبط بالاتصالات الايرانية التركية، عقد بالامس اجتماع بين وزير الخارجية الايراني عباس عراقتشي ونظيره التركي حقان فيدان، لما لانقرة من دور فاعل واستراتيجي في سوريا، وكذلك في اتفاق غزة الذي عزز العلاقة بين الرئيس رجب طيب اردوغان، والرئيس دونالد ترامب.
وفيما تبقى قيادة حزب الله بعيدة عن اي نقاش جدي يرتبط بمستقبل السلاح، مع تمسكها بحصر اي نقاش حوله بخطة الامن الوطني بعيدا عن الضغوط الخارجية بعد التزام «اسرائيل» بمندرجات وقف الاعمال العدائية، الا ان مصادر رسمية لبنانية، سبق وابلغت الجانب المصري ان معرفتها الدقيقة بما اسمته «براغماتية» الحزب، تجعل من فكرة «تجميد» السلاح قابلة للنقاش الايجابي، خصوصا اذا ارتبطت بضمانات جدية بالزام «اسرائيل» بوقف اعتداءاتها على لبنان.
وقد جاء قبول حركة حماس رسميا بالامس بانفتاحها على فكرة الهدنة الطويلة مع «اسرائيل» و»تحييد» السلاح، ليثبت ان الفكرة قابلة للتطبيق لدى فصائل المقاومة في المنطقة والتي تقرأ جيدا موازين القوى. لكن يبقى ان تلقى الفكرة قبولا اميركيا واسرائيليا» ليبنى على الشيء مقتضاه».













