الجمعة, فبراير 6, 2026
spot_img
spot_img
spot_img
الرئيسيةسياسةلبنان يناقش نزع السلاح.. و"إسرائيل" تبيع الجنوب "أونلاين"!

لبنان يناقش نزع السلاح.. و”إسرائيل” تبيع الجنوب “أونلاين”!

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

| زينة أرزوني |

في لحظة لبنانية مشبعة بالجدل العقيم حول سحب سلاح المقاومة، خرجت إلى العلن خريطة “إسرائيلية” جديدة صادرة عن حركة استيطانية تُدعى “أوري تسافون”، تعرض أراضي جنوب لبنان للبيع بأسعار تبدأ من 300 ألف شيكل، تحت عنوان مغرٍ “استثمر شمالاً”!

على الخريطة الإسرائيلية، تظهر صور ـ “تسور حدَشاه”، بنت جبيل ـ “بيت جلعاد”، ومرجعيون تُطلّ على التاريخ “من زاوية عبرية”، وكأننا أمام كتيّب عقاري مقدّس يترجم الوعد التوراتي إلى دفتر شيكات.

وفي المقابل، في بيروت، ينشغل قسم من النخبة السياسية بالسؤال “الوجودي”: ألم يحن الوقت لنزع سلاح “حزب الله”؟! ألا يجب حصر السلاح بيد الدولة؟!

وبينما المستوطن يرسم خرائطه شمال الليطاني، نحن نناقش في الصالونات مسألة مصادرة مخازن الأسلحة، كأن الحدود مؤمنة بـ”ملائكة” الدولة لا بخط النار!

ما تفعله حركة “أوري تسافون” ليس نكتة، وليس حدثاً معزولاً، بل هو تعبير عن بنية فكرية كاملة ترى أن أي منطقة يسيطر عليها الجيش الصهيوني ـ ولو مؤقتاً ـ يمكن تحويلها لاحقاً إلى مساحة استيطان “شرعية”، وعندها يتم تخيير السكان الأصليين: إما مغادرة أراضيهم أو البقاء فيها كـ”سكّان” وليس مواطنين بل كـ”عبيد”!

ولِفَهم لماذا هذا الإعلان في هذا التوقيت الحرج لبنانياً، علينا العودة إلى الجذور، وربطه بفكر الصهيونية الدينية التي تأسست على تفسير حرفي لنص التوراة، الذي يحدد “أرض الميعاد” بحدود تمتد “من النيل إلى الفرات”.

ومنذ نشأة حركة “مزراحي” والحاخامات المؤسسين للدولة، برزت فكرة أن قيام “إسرائيل” الحديثة هو تجسيد لـ”إرادة إلهية” تستوجب التوسع والسيطرة على كل ما يعتبرونه “أرض الآباء”.

تطورت هذه العقيدة مع حركات مثل “غوش إيمونيم” بعد حرب 1967، حيث رأى منظّروها أن احتلال الضفة الغربية والقدس هو “تحقق للنبوءة”. وبذلك، أصبحت المستوطنات ليست فقط مشروعاً سياسياً بل طقساً دينياً يمارس فيه المستوطن “الوصية الإلهية بالاستيطان في أرض إسرائيل”. وهذا الأمر ـ باعتقادهم ـ “يُعجّل بالخلاص”، حيث يُنظر إلى السيطرة على الأرض على أنها “تمهيد لعودة المسيح اليهودي”. وبالتالي فإن المشروع الاستيطاني لا يُقاس بمفاهيم القانون الدولي، بل بمفاهيم دينية خلاصية.

هذه الرؤية تُنتج مفارقة خطيرة مفادها أن كل توسع يُقدم كـ”عمل مقدس”، وكل مقاومة تُصوَّر كوقوف في وجه “الإرادة الإلهية”!

فما بدأ قبل قرن كمشروع استيطاني محدود، تحوّل اليوم إلى مشروع لاهوتي متكامل يتحدى الحدود والسيادة الوطنية لدول الجوار.

وبذلك، تصبح مواجهة هذه النزعة ليست مجرد صراع حدود، بل صراع هوية ورؤية للمنطقة، بين من يرى الأرض “ميراثاً إلهياً” ومن يراها وطناً سيادياً لشعوبها.

أكثر من عبّر عن هذا المنطق بوضوح هو وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، حين قال أمام الكنيست عام 2023: “كل أرض إسرائيل لنا، من البحر إلى النهر، ومن النهر إلى آخر تلة يمكن أن نراها من هناك.”

ثم أضاف في مقابلة لاحقة: “لا يوجد شيء إسمه شعب فلسطيني، هذه أرضنا منذ الأزل.”

وعندما يُطلق سياسي كهذا هذه العبارات وهو يحمل حقيبة في الحكومة الإسرائيلية، فليس الأمر مجرّد زلّة لسان، بل إعلان استراتيجي بأن مشروع “إسرائيل” لم يكتمل بعد، وأن الجنوب اللبناني ليس بعيداً عن خريطة الطموح.

حين يعلن زعيم حزب ديني في تل أبيب أن “أوسلو مات”، وحين يقول النائب المتشدد سمحا روثمان “لدينا أرض ‘إسرائيل’ واحدة، وسنستوطن في كلّها: المناطق أ، ب، وج”، فإن الرسالة واضحة، أي أن الخرائط السياسية قابلة للتعديل، لكن خرائط “الوعد الإلهي” ثابتة.

فما الذي يمنعهم غداً من النظر إلى جنوب الليطاني باعتباره “أرضاً سُلبت من الميراث التوراتي”؟

ما لا يحمل الشك، أن إطلاق حملة بيع أراض في جنوب لبنان، حتى وإن كانت رمزية أو افتراضية، تخفي في طياتها رسائل سياسية:

أولاً ـ تثبيت مفهوم “إسرائيل الكبرى” في الوعي العام من خلال أدوات إعلامية واقتصادية.

ثانياً ـ تطبيع فكرة التوسع شمالًا كخيار ممكن في حال تفكك الحدود أو اندلاع حرب جديدة.

ثالثاً ـ اختبار ردود الفعل الدولية والعربية إزاء الخطاب التوسعي في مرحلة التوتر الإقليمي.

في المقابل، ووسط هذا كله، تظهر المفارقة اللبنانية في خطابات المسؤولين عن حكم الرعية، فهم يتصرفون كأن “إسرائيل” تحوّلت إلى جمعية خيرية، لا إلى كيان يُدير اليوم حملات عقارية على أراض لبنانية، في مشهد يُذكّر بعبارة شهيرة “نختلف حتى يسرقنا الغريب.”

فبينما الإسرائيلي يرسم خرائط التوسع، نحن نرسم خرائط تحالفات انتخابية علنا نكسر الطائفة الشيعية جنوباً و”نخترقهم” منهم مقعداً أو مقعدان في البرلمان فنحولهم إلى كتلة ضعيفة سياسياً، بعدما أخبرهم مشغليهم الأميركان أن الاسرائيلي كسر “حزب الله” وحوله إلى مجموعة مفككة وضعيفة عسكرياً.

الطريف، أن من يطالب بسحب سلاح المقاومة، لا يقدم بديلاً أمنياً أو استراتيجياً واحداً لحماية الجنوب، تُطرح القضية وكأنها مجرد تصفية حسابات داخلية، لا مسألة تتعلق بوجود دولة إسمها لبنان على خرائط الغير.

من منظور استراتيجي بحت لا أدعيه، لا يمكن لأي دولة محاطة بكيان توسعي أيديولوجي أن تُفرّغ نفسها من أدوات الردع، وإلا المعادلة ستكون بسيطة “إسرائيل” تبيع أرضنا قبل أن تحتلها، ونحن نبيع الأوهام، لأن الأرض لا تُحرس بالنوايا، ولا بخطابات الاستنكار.

وهنا يصبح الحديث عن “نزع السلاح” أشبه بقرار إزالة المظلة في وسط العاصفة لأن “شكلها لا يليق بالصورة الوطنية”، ولا يتناسب مع الأجندة التي فرضت على حكامه.

وسيكتب التاريخ حتماً أننا الدولة الوحيدة التي كانت تناقش نزع السلاح من يد المقاومين، فيما أرضها كانت تُعرض للبيع “أونلاين”!

للانضمام إلى مجموعة “الجريدة” على “واتس اب” إضغط على الرابط

https://chat.whatsapp.com/KcTcdtSlZ5a0SaZPTZsoiV?mode=ems_cop

spot_img
spot_img

شريط الأحداث

مقالات ذات صلة
spot_img
spot_img