السبت, فبراير 14, 2026
spot_img
spot_img
spot_img
الرئيسيةSliderبيان عربي بـ"شمع أحمر".. و"شكراً قطر" على قمة بلا قرار!

بيان عربي بـ”شمع أحمر”.. و”شكراً قطر” على قمة بلا قرار!

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

| زينة أرزوني |

“شكراً قطر”، ولكن ليس لإعادة إعمار لبنان، ولا لإرسال الأموال إلى غزة. شكراً لأن قمة الدوحة كشفت الوجه الحقيقي للموقف العربي، وأعادت تذكيرنا بأننا كعرب لا زلنا نعيش تحت الوصاية الأميركية و”الإسرائيلية”، ننتظر إذناً لنتضامن، ونتلقى التوجيهات قبل أن نصدر بيانات التنديد.

“شكراً قطر”، لأن قمة الدوحة لم تكن كغيرها، لا لأنها صنعت فرقًا، بل لأنها كرّست الحقيقة المُرّة: العالم العربي، بشعوبه الجريحة وأنظمته المربوطة إلى عجلة واشنطن، لم يعد قادرًا حتى على إقناع نفسه بأنه يملك قراراً سيادياً.

في زمن الانهيارات الكبرى، لم نكن ننتظر من القمة العربية أن تُعلن الحرب، ولا أن تسير الجيوش إلى غزة. ولكن أقل الإيمان كان قطع العلاقات مع دولة الاحتلال، طرد ممثليها، إغلاق أبواب التطبيع التي فُتحت بلا حياء. كنا نحلم أن يكون البيان الختامي يحمل شيئًا من الكرامة، من الجرأة، من الغضب الحقيقي… لكننا تلقينا بياناً مشمعاً بالكلام، معلباً بالعبارات المنقحة، خالياً من أي أثر سياسي يمكن أن يوقف مجزرة أو يردع عدواً.

في عام 2015، شكّل العرب تحالفاً عسكرياً كامل الأركان، لمواجهة جماعة “أنصار الله” في اليمن، لأنهم قرروا الاعتراض على الواقع السياسي في بلدهم. لم تكن هناك حاجة لقمم ولا لبيانات تنديد، بل سُيّرت الطائرات وقُصفت المدن وجاع الأطفال. أما اليوم، فقد تجاوزت “إسرائيل” كل الخطوط، وأحرقت غزة، وهاجمت لبنان وسوريا، ويتم التنكيل بالضفة الغربية يوميًا، من دون أن يتشكل “تحالف الدفاع العربي”، لأن المعتدي هذه المرة ليس “حوثيًا”، بل “إسرائيلي” مدعوم من واشنطن، وهذا كافٍ لشلّ أي قرار عربي.

بل وأكثر من ذلك، يتباهى قادة عرب بأنهم جاهزون للسلام مع “إسرائيل” وفق المبادرة العربية، بينما نتنياهو ينفذ خطوات “إسرائيل الكبرى” من دون أن يرف له جفن.

اللافت، أن قمة الدوحة عقدت في بلدٍ يصنّف كثالث أكبر مشترٍ للأسلحة في العالم، وثاني أكبر مستورد للأسلحة الأميركية. قطر، التي تستضيف القيادة المركزية الأميركية في قاعدة “العيديد”، وتستثمر ما يزيد عن 8 مليارات دولار في توسيعها، تملك رادارًا استراتيجيًا لكشف الصواريخ الإيرانية… لكنها لا تملك الجرأة على استخدام نفوذها في واشنطن لكبح جماح آلة الحرب الصهيونية. كيف يكون لدولة هذا الوزن أن تقف على مسافة واحدة بين القاتل والضحية، ثم تُطالبنا بتصديق حيادها؟! وحتى وساطتها للتوصل الى إتفاق بين “حماس” و”إسرائيل”؟!
قطر ليست وحدها. المشكلة ليست في العاصمة المضيفة، بل في الحالة العربية ككل، التي باتت أسيرة المال والضمانات الأمنية الأميركية. لا أحد يجرؤ على تهديد المصالح الأميركية، ولا أحد يفكر بإغلاق القواعد، أو حتى التلويح بتجميد اتفاقيات التطبيع. لقد اختار العرب أن يقفوا على الرصيف، يُراقبون، ويصدرون بيانات باردة، بينما النار تلتهم أجساد الأطفال في غزة.

الأخطر من كل ذلك، أن أولويات بعض الأنظمة باتت واضحة: سلاح المقاومة هو العدو، لا الاحتلال. الحملة على “حزب الله” بدأت قبل “طوفان الأقصى”، والضغط لسحب سلاحه، أو على الأقل حصاره مالياً وسياسياً، أصبح هدفاً مشتركاً بين واشنطن وتل أبيب وبعض العواصم العربية، التي لا تريد مقاومة خارج سيطرتها، ولا صوتا يعكّر صفقات الغاز والأمن والاستثمار.

جاءت قمة الدوحة وكأنها تريد أن تضع الختم الأحمر على هذه الحقائق: لا تحالف ضد “إسرائيل”، لا خطوات ردعية، لا جرأة على المقاطعة، لا نية لتعليق عضوية “إسرائيل” في الأمم المتحدة، ولا حتى التلويح بمحاسبة مجرمي الحرب. بل على العكس، خرج رئيس الجمهورية اللبنانية من القمة ليجدد الالتزام بـ”مبادرة السلام العربية”، ويتحدث عن استعداد لبنان للتطبيع، حتى في اللحظة التي كانت فيها صواريخ الاحتلال تُسقط مبانٍ في الجنوب اللبناني، بحجّة أنها تحتوي على مراكز للمقاومة.

هل هذا هو زمن الانبطاح الكامل؟ ربما. لكن الأخطر من الانبطاح هو الإيمان المزيف بأن التنسيق مع “إسرائيل” يمكن أن يوفر الأمن. ما لم يفهمه بعض القادة، هو أن مشروع نتنياهو لا يميز بين غزة وبيروت، ولا بين “حزب الله” وقطر أو الأردن أو العراق. وكل عاصمة عربية صامتة اليوم، قد تكون هي التالية في مرمى النيران الإسرائيلية، سواء اقتصادياً أو أمنياً أو سياسياً.

قمة الدوحة لم تكن أكثر من مشهد تكراري في مسلسل طويل من العجز العربي. لكن الاختلاف اليوم أن العدو لم يعد ينتظر، بل ينفذ، ويعيد رسم خرائط الإقليم وفق مصالحه، ونحن لا زلنا نناقش العبارات في بيانات القمم.
ما خرج من قمة الدوحة هو صورة عربية باهتة، مشاهد رمزية تؤكد حقيقة واحدة: أن السيادة لم تعد في العواصم، بل في المكاتب الخلفية للسفارات الغربية والشركات التجارية والاستثمارات بالملايين.

للانضمام إلى مجموعة “الجريدة” إضغط على الرابط

https://chat.whatsapp.com/KcTcdtSlZ5a0SaZPTZsoiV?mode=ems_copy_c

spot_img
spot_img

شريط الأحداث

مقالات ذات صلة
spot_img
spot_img