طرابلس نموذجاً للقدرات الكامنة
| فيصل طالب | (*)
لم تُعدّ الثقافة، في عالم تتسارع فيه التحوّلات الاقتصادية والتكنولوجية، تقتصر على ما تحمله من أبعاد معرفية وفكرية وجمالية واجتماعية وترفيهية، بل غدت قطاعًا اقتصادياً تنموياً استراتيجيًا يوازي في أهميته القطاعات الإنتاجية التقليدية، باعتباره أداة فعّالة لتحريك النموّ، وتعزيز الناتج المحلّي، وتسويق صورة الدولة، وتظهير قوّتها الناعمة، وخلق فرص عمل، وتنشيط السياحة، ودعم الصناعات المحلية، وتحويل التراث والإبداع إلى ثروة متجدّدة ترفد الخزينة العامة بنصيب وافر من الدخل الوطني. إنّ الثقافة، عندما تُدار برؤية استراتيجية تنطلق من أولويات السياسات العامة، تتحوّل إلى رافعة مهمّة جداً للاقتصاد الوطني. وهي تقوم في هذا السبيل على الركائز التالية:
1- الصناعات الثقافية والإبداعية: وتشمل السينما، الموسيقى، المسرح، النشر، الفنون التشكيلية، الحرف التقليدية، التصميم، البرامج الرقمية، الألعاب الإلكترونية…، وهذه القطاعات توفّر فرص عمل مباشرة (فنانون، تقنيون، إداريون)، وغير مباشرة (سياحة، خدمات، تسويق).
2- السياحة الثقافية: ترفع الطلب على الفنادق ووسائل النقل والمطاعم والمقاهي…؛ الأمر الذي يسمح بضخّ إيرادات وازنة في الدورة الاقتصادية، وهي تشمل:
- التراث الثقافي المادّي (المواقع الأثرية، المتاحف، المباني التاريخية…).
- التراث الثقافي غير المادّي (الممارسات والتصوّرات وأشكال التعبير والمعارف والمهارات…)، كالمهرجانات، التقاليد والعادات والأمثال الشعبية، فنون الأداء، الطب الشعبي، الحرف التقليدية، المطبخ، الموسيقى…
3- استحداث أسواق ثقافية ودعم قطاعات أخرى: توفّر هذه الأسواق فرص تسويق المنتجات الفنية والفكرية والحرفية، وتصديرها إلى الأسواق العالمية، فضلاً عن أن الإبداع الثقافي يغذّي قطاعات مثل الإعلانات، الأزياء، التصميم الصناعي…
4 – الاستثمار في البنية التحتية الثقافية وبناء الشراكات: مسارح، معارض، قرى حرفية وسياحية لعرض الصناعات التقليدية، والترويج لمنتجات محلية، واستقطاب فعاليات دولية (بينالي، مهرجانات سينمائية، معارض كتب…).
ومن المفيد في هذا السياق إيراد أمثلة من الدول الأجنبية والعربية عن كيفية إسهام الثقافة في تعزيز اقتصاداتها، وتحقيق إيرادات ملحوظة في هذا النطاق…
تشير الدراسات إلى أنّ إيرادات الصناعات الإبداعية بلغت 12.4 مليار دولار في كوريا الجنوبية (2021)، و 92 مليار يورو في فرنسا ( 2019). ونحو 15 مليار دولار من السياحة التراثية في إيطاليا (2023)، وفي إسبانيا تحصد مدينة برشلونة وحدها أكثر من 12 مليار يورو سنوياً من السياحة الثقافية، وفي اليونان حوالي 20 مليار يورو.
أمّا في الدول العربية فتشير الدراسات أيضاً إلى أنّ السياحة الثقافية في مصر تمثّل نحو8.5٪ من إجمالي الناتج المحلي، وتوفّر 2.7 مليون وظيفة (عدد السياح قارب 15.7 مليون في 2024، مع واردات بلغت 14.1 مليار دولار). وفي المغرب قاربت عائدات السياحة الثقافية 104 مليار درهم مغربي في العام 2023 ( 14.5 مليون سائح). وفي تونس قُدّرت إيرادات الصناعات الثقافية والإبداعية بحوالي 798 مليون دولار في العام 2023، وفي مدينة دبي بنحو ٦ مليار دولار في العام 2022.
ويمكن في هذا الإطار الحديث عن تجربة مصر كنموذج عربي في الاستثمار الثقافي، حيث أقامت مشاريع كبرى مثل المتحف المصري الكبير (GEM) بجوار الأهرامات، يُتوقع أن يكون واحدًا من أضخم المتاحف في العالم، وأن يجذب ملايين الزوار سنويًا. فضلاً عن كون مصر هوليوود الشرق تاريخياً، وذلك منذ أن بزغت فيها صناعة السينما في بدايات القرن الماضي، والتي أسهمت في توفير إيرادات كبيرة للاقتصاد المصري. وكذلك فعلت الصناعات الإبداعية والحرفية (النحاس، الزجاج المعشق، الأقمشة المطرزة، الخزف…)؛ بحيث تباع هذه المنتجات في الأسواق المحلّية، وتُصدّر إلى الخارج، وتسهم في تشغيل آلاف الأسر؛ فضلاً عن المهرجانات والفعاليات التي تجذب مشاركين وسياحًا كثراً، وتخلق حركة اقتصادية في الفنادق والمطاعم والنقل (مهرجان القاهرة السينمائي، مهرجان الموسيقى العربية، معارض الكتاب …)؛ علماً أن الأغنية والسينما المصرية ما زالتا أداتي متابعة وتأثير في العالم العربي تفتحان أسواقاً أمام المنتجات والخدمات ذات الصلة.
أمّا في لبنان فقد قُدّرت العائدات الاقتصادية للثقافة بحدود ملياري دولار سنوياً في الأعوام التي سبقت الأزمة الاقتصادية في العام 2019، والإنفجار في مرفأ بيروت في العام 2020؛ علماً أنّها قابلة للارتفاع إلى حدود5 مليار سنوياً، إذا تمّ العمل على تنشيط الاستثمار الثقافي بجميع مندرجاته، وتوافرت له مستلزمات الارتقاء والتطوير، وسبل مواجهة التحدّيات الاقتصادية والاجتماعية والهيكلية (نقص التمويل، ضعف البنية التحتية، تراجع الدعم الحكومي…).
إزاء ما تقدّم كيف يمكن تحويل الاستثمار في الثقافة إلى رافعة اقتصادية في بلد صغير كلبنان، مثقل بالأعباء والظروف الصعبة والأزمات السياسية والمالية والاجتماعية، وأن يحذو حذو بلدان أخرى ربّما لا تملك ما يماثله من مقدّرات ثقافية كامنة؟ يبقى ذلك ممكناً بالطبع إذا جرى اعتماد استراتيجية مركّبة في هذا السبيل تستفيد من مزاياه، وتواجه تحدياته، على قاعدة اعتبار الثقافة قطاعًا اقتصاديًا منتجاً، وتوافر إرادة سياسية، وإقامة شراكة مع القطاع الخاص، والاستفادة من الاغتراب، واتباع سياسة تسويق ذكية …، وذلك على النحو التالي:
1- الاستثمار في الصناعات الثقافية والإبداعية: دعم الإنتاج السينمائي والتلفزيوني والمسرحي والموسيقي، وكذلك أعمال النشر، والبرامج الرقمية، والألعاب الإلكترونية، وتصميم الأزياء، وتشجيع الحرف اليدوية التقليدية وتوسيع أسواقها…
2- السياحة الثقافية: الاستفادة من غنى لبنان بالآثار (بعلبك، صور، جبيل، طرابلس، بيت الدين…)، وتحويل المهرجانات في هذه الأماكن إلى منصّات سياحية – اقتصادية مستدامة وغير موسمية، وتطوير مسارات تراثية تشمل المواقع الأثرية والتاريخية، واستثمار منازل تراثية وتحويلها إلى فنادق وبيوت ضيافة، مع ربط السياحة الثقافية بالبيئة والتراث الحرفي (زجاج، صابون، حرير، مشغولات خشبية…).
3- الاستثمار في التراث الثقافي غير المادّي: الموسيقى اللبنانية والرقص (الدبكة) القابلان للتسويق عبر المهرجانات والمنتديات العالمية، وكذلك المطبخ اللبناني (المناقيش، التبولة، الكبة، الحمّص، المازة…)، وتكريس شهرته، وتسويق أطباقه الأيقونية الوطنية على نطاق واسع عالميًا، كما فعلت إيطاليا مع البيتزا، واليابان مع السوشي، والمكسيك مع التاكو، وفرنسا مع الكرواسون والباغيت، وإسبانيا مع الباييلّا، وتركيا مع الكباب والشاورما، والخليج مع الكبسة والمندي، وكوريا مع الكيمتشي …
4- دور الاغتراب اللبناني
الاستفادة من الانتشار اللبناني في العالم لتسويق منتجات الثقافة اللبنانية (مطاعم، كتب، أفلام، معارض فنون…).
5- الشراكات الدولية: التعاون مع المنظمات الدولية والإقليمية ( اليونسكو والألكسو والإسيسكو)، ومع الاتحاد الأوروبي، وتشجيع الاستثمارات العربية والأجنبية، لصالح مشاريع الترميم وحماية التراث (معرض رشيد كرامي الدولي في طرابلس على سبيل المثال)، والعمل على إدراج لبنان في شبكات المدن الإبداعية العالمية، والمشاركة في المعارض والمهرجانات الدولية…
6- تشريعات ومؤسسات داعمة: إصدار قوانين تشجّع الاستثمار في الثقافة (إعفاءات ضريبية)؛ فضلاً عن توسيع سياسات الدعم الرسمي وغير الرسمي في هذا النطاق.
7- الاستثمار في الاقتصاد الثقافي الرقمي: إنشاء منصّات رقمية لتسويق المنتجات الثقافية اللبنانية عالمياً، مع استثمار الذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي لتنظيم زيارات افتراضية إلى المواقع الأثرية والسياحية، وتوثيق التراث الثقافي رقمياً، وإنشاء متاحف ومعارض افتراضية…
8- برامج التدريب والتأهيل: ويمكن أن تشمل تأهيل الكوادر الشابة في مجال إدارة المشاريع الثقافية، ودعم برامج التعليم الفني والمهني في المجالات الثقافية، واستقطاب الخبرات اللبنانية في الخارج للإسهام في التنمية الثقافية.
ومن المفيد في هذا المجال أن نتحدث عن طرابلس، كنموذج قابل للاستثمار الثقافي بمعناه الواسع، استناداً إلى ما تختزنه من إرث ثقافي كبير، وبالنظر إلى ما تمتلكه من قدرات كامنة تحتاج إلى تظهيرها بأبهى حلّة، وتوظيفها في خدمة إنماء المدينة، والانتقال بها من حال إلى حال، على هدي النماذج اللبنانية الناجحة في هذا السبيل كبيروت وجبيل والبترون وغيرها؛ مع الإشارة إلى أن بعض المحاولات غير الكافية أو غير الناجحة قد جرت سابقاً لإحياء بعض معالمها التراثية…
تُعدّ طرابلس من أغنى المدن المشرقية بعناصر التراث المادّي وغير المادّي، ومن بين أكبر المدن القديمة المأهولة في العالم العربي، وثاني مدينة من حيث الإرث التاريخي المملوكي بعد القاهرة، ممّا يؤهّلها لأن تكون ساحة مؤاتية للاستثمار الثقافي، إذا ما توافر لذلك إطار تنموي مدروس، وبرامج داعمة رسمية وخاصة، محلية وعربية ودولية. إن فرص الاستثمار الثقافي في طرابلس تقوم على ما تتميّز به من مزيج فريد من المعالم المعمارية والتاريخية (الأسواق والأزقة القديمة والقلعة والحمّامات والخانات التاريخية والجوامع والمدارس والكنائس…)، والمطبخ التقليدي، والصناعات والحرف اليدوية ( النحاسيات والحلويات والخشبيات والفخاريات والصابون والتطريز …)، والذاكرة الشعبية (الزجل والموشحات والأمثال والحكايات والطقوس الاجتماعية) التي تشكّل مادة ثرية لمشاريع النشر والرقمنة، وموقعها الاقتصادي ـ السياحي على ساحل المتوسط، ومرفئها المحوري الذي يشكّل حلقة وصل حيوية للتجارة والعبور، وقربها من مطار القليعات المزمع إطلاق العمل فيه قريباً، ووجود معرض رشيد كرامي الدولي على أرضها. لذلك تبدو فرص الاستثمار الثقافي في المدينة متاحة من أوسع أبوابها، وذلك من خلال رؤية استراتيجية تقوم، على سبيل المثال لا الحصر، على تنظيم المهرجانات السنوية للرقص الشعبي والتراثي، والعروض الضوئية والصوتية، وإنشاء مسارات سياحية في المدينة القديمة، وإقامة أنشطة متنوعة في الأسواق والخانات والحمّامات، بعد ترميمها وإعادة تأهيلها لتظهر بحلة تليق بتاريخها (تحويل الخانات الى فنادق بوتيك او مطاعم او مراكز تجارية للحرف اليدوية، مما يحيي هذه الأماكن، ويمنحها وظائف اقتصادية مهمّة)، وإنشاء قرى حرفية ومراكز تدريب مهني وتقني لإعداد جيل جديد من الحرفيين في مجال الصناعات التقليدية، وتكوين المهارات المطلوبة في سوق العمل، بالتعاون مع الجامعات ومراكز الأبحاث المتخصّصة في توثيق التراث وتدريب الكفاءات، ورقمنة الموروث الشعبي ونشره، وتشجيع الشباب على إنتاج أفلام وثائقية عن المدينة، ودعم المطبخ الطرابلسي، وإقامة مهرجانات سنوية للمأكولات والحلويات الطرابلسية تكرّس اعتماد المدينة وجهة سياحية غذائية، وإنشاء متاحف تراثية، والتشبيك مع المنظمات العربية والدولية المعنية، ودعم برامج التبادل الثقافي على المستويين المحلي والعربي والعالمي…
إن الاستثمار الثقافي في طرابلس لا يقوم إِلَّا على قواعد الاستقرار، وإعادة بناء جسور الثقة بين المجتمع والدولة، وتطوير البنية التحتية الثقافية والاقتصادية، وإنشاء هيئة تخطيط وتنمية محلية تضمّ ممثلين عن السلطة المحلية وهيئات المجتمع المدني والهيئات الاقتصادية والثقافية، وتشجيع الاستثمارات لإنشاء فنادق ومراكز تسوّق حديثة تخدم الزائرين، وتوفّر فرص عمل لأبناء المدينة.
إنّ الاستثمار الثقافي في مدينة طرابلس، في سياق الاستنهاض التنموي، هو ضرورة استراتيجية للخلاص من دوامة الإهمال والتهميش والحرمان التاريخي، وهو مشروع متكامل يبدأ ببناء الإنسان وتمكين الشباب، ويمرّ باستعادة المكان إلى حيّز الحضور الحيّ عبر إحياء التراث، وينتهي بخلق اقتصادٍ حيوي تخدمه الثقافة والسياحة المستدامة. إن نجاح هذا المشروع رهنٌ بإرادة سياسية حقيقية، وشراكة وثيقة بين القطاعين العام والخاص والمجتمع المدني، ورؤية استراتيجية استشرافية لا ترتهن للتقلبات السياسية الآنية… وعندها لا تعود طرابلس “عاصمة الشمال” فحسب، بل عاصمة لبنان الاقتصادية، وعاصمة لبنان الثقافية، ونقطة مضيئة على خارطة السياحة الثقافية العالمية؛ فضلاً عن احتفاظها بلقب عاصمة الثقافة العربية للعام 2024 الذي لم يستطع أن يحقّق لها، مع الأسف، ما صبت إليه من مشاريع إنمائية للمدينة في هذه المناسبة، لأسباب عديدة لا سبيل إلى الخوض فيها في هذا السياق. إنّ إطلاق طرابلس في فضاء التوظيف لطاقاتها الثقافية الكامنة في مسار التنمية الاقتصادية سيجعلها نموذجاً رائداً في الاستثمار الثقافي، ومنارة حضارية مشرقة في لبنان والمنطقة، وسيثبت أنّ الإرث الحضاري هو أقوى أساسٍ يمكن أن تُبنى عليه نهضةُ الأوطان.














