يبدو لبنان عالقا بين ثلاثة مسارات استراتيجية: الأول، تثبيت التفاهمات الدولية حول حصر السلاح مقابل ضمانات أمنية واقتصادية؛ الثاني، التصعيد الداخلي الذي قد يأخذ شكل شلل سياسي أو اضطراب أمني؛ والثالث، التجميد المرحلي بانتظار استحقاقات إقليمية أوسع.
في كل الأحوال، فإن هذا التداخل بين الحراك الأميركي، الرد الإسرائيلي، وخطاب حزب الله، يُنتج واقعاً سياسياً هشاً لكنه قابل للتشكّل. والسؤال الأبرز هنا: هل سيتمكّن لبنان من ترجمة الضغوط الدولية إلى مسار تفاوض داخلي متوازن؟ أم أنه ذاهب نحو مواجهة مفتوحة بين الدولة والمقاومة تحت مظلة إقليمية مضطربة؟
الاكيد إن ما بعد جولة الوفد الأميركي ليس كما قبلها. إذ دخل لبنان مرحلة اختبار جدّي لموقعه، ودوره، وهويته السياسية المستقبلية، في ظل اشتباك إقليمي – دولي يتجاوز ساحته الجغرافية الضيقة إلى عمق موازين القوى في الشرق الأوسط، على ما تؤكد اوساط الوفد الاميركي.
فجولة الوفد الأميركي، التي شملت لقاءات مع الرؤساء الثلاثة وعدد من القيادات، حملت رسائل حازمة بشأن ضرورة تسريع عملية «ضبط السلاح»، والانخراط في إصلاحات فورية مقابل دعم اقتصادي مشروط، كما اكدت اورتاغوس خلال عشاء الجميزة. لكن ما بين سطور التصريحات الأميركية، ظهرت ملامح تحول استراتيجي في المقاربة الأميركية: لم يعد المطلوب فقط احتواء الانهيار، بل السعي إلى إعادة صياغة التوازنات السياسية الداخلية بما يتوافق مع أهداف واشنطن الإقليمية، وتحديداً في ظل الرد الإسرائيلي الأخير على الورقة الأميركية.
في المقابل، أظهرت القيادات اللبنانية تبايناً في تلقي الرسائل الأميركية، بين من اعتبر أن «الفرصة قد تكون الأخيرة لإنقاذ الدولة»، ومن يرى أن الضغوط الخارجية تحمل أجندة تتجاوز المصلحة الوطنية، وتستهدف محور المقاومة مباشرة.
هذا على الاقل ما خرجت به المعطيات التي تجمعت من اللقاءات في المقار الرئاسية الثلاثة، حيث اعاد الرؤساء عون وسلام التاكيد على المواقف اللبنانية المبدئية، مؤكدين ان ما اتخذ من قرارات لا رجوع عنه، وان بيروت ملتزمة بالورقة التي اقرتها والتي تشكل اقصى ما يمكن ان يقدمه لبنان.
غير ان الكلام في بعبدا، واللهجة الاكثر صراحة التي سمعت في السراي، لم تكن ذاتها في عين التينة التي بدت اكثر تشددا، مصرة على مواقفها السابقة، مضيفة ان الالتزام بالقرار 1701 يفترض التجديد لقوات اليونيفيل في الجنوب.
في كل الاحوال تكشف مصادر مواكبة لجولات الوفد ان البحث تطرق الى ثلاثة ملفات، تفاوتت الايجابية بشان كل منها، وهي: الرد الاسرائيلي، التجديد لليونيفيل، والملف السوري، في ظل غياب كامل لاي حديث عن الاصلاحات والمساعدات بشكل مفصل.
واشارت المصادر الى وجود «ايجابية اسرائيلية شكلية»، مشروطة بالخطة التي سيضعها الجيش اللبناني وستتطلع عليها كل من واشنطن وتل ابيب، التي ستضع على ضوئها خطة للانسحاب التدريجي من لبنان، مشروط بانجاز الجيش اللبناني حصر السلاح في منطقة الجنوب، وموافقة الدولة اللبنانية على اقامة «منطقة ترامب الصناعية» بتمويل قطري – سعودي، على طول الحدود، لا تتضمن اي مبان سكنية.
وتابعت المصادر، بان «ريفييرا غزة التي نقلها الرئيس الاميركي الى الجنوب»، ستشكل على ما يبدو منطقة عازلة، يطالب بها سكان المستوطنات الشمالية، رغم ان معالمها وعمقها والنقاط التي ستشملها لا تزال غير واضحة، ولا يملك الاجابة عليها سوى اسرائيل واميركا، علما ان الجانب الرسمي اللبناني لم يتبلغ شيئا واضحا او جديا او مفصلا في هذا الخصوص، وسط تاكيد رسمي بان لبنان سيرفض بشكل كامل اي مشروع تهجيري للاهالي تحت اي مسمى.
وختمت المصادر، بان الضغوط الاميركية نجحت في التخفيف من حدة وكثافة الغارات والاستهدافات التي تنفذها اسرائيل فوق الاراضي اللبنانية وعمليات الاغتيال، مؤكدة ان الاتصالات ستسمر مع تل ابيب لاستكمال المشاورات، التي ستزورها اورتاغوس فور مغادرتها لبنان قبل توجهها الى نيويورك، لمناقشة نتائج الجولة في بيروت.
وحول هذه النقطة تؤكد المصادر ان براك ابلغ المعنيين التوصل الى اتفاق في مجلس الامن يقضي بانهاء مهمة اليونيفيل في 31 آب 2026، حيث على لبنان الاعتماد على قواه الذاتية للقيام بالمهام الموكلة اليه، كاشفة ان اللقاء في عين التينة في هذا الخصوص كان اكثر تشددا حيث ربط رئيس مجلس النواب بين القرار 1701 ووجود القوات الدولية، وهو ما فهم منه ان الالتزام بالقرار 1701 يفترض بقاء قوات اليونيفيل.
وتابعت المصادر بان رئيس الجمهورية اكد بدوره على خطورة سحب اليونيفيل من لبنان، مطالبا باستمرار التفويض المعطى لها لمدة ثلاث سنوات على الاقل باعتبار التمديد سنة واحدة فقط لن يؤدي المهمة المطلوبة، الى حين استكمال انتشار الجيش على كامل الاراضي اللبنانية، من جهة، وعملية تجهيزه لتمكينه من القيام بكافة المهام المطلوبة منه، اذ ان وجود تلك القوات خلال هذه الفترة يؤمن الغطاء الدولي للبنان، ويساعد الدولة اللبنانية في مجالات الانماء الاجتماعي والصحي والاجتماعي في المناطق الحدودية.
اما في شقها الثالث، فقد تناولت المشاورات رد السلطات السورية، التي ابدت كل تعاون ورغبة في التنسيق مع الجانب اللبناني، على ما اكد براك نقلا عن الرئيس احمد الشرع الذي ابدى استعداده وانفتاحه لفتح صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين، معلنا «تخطي سوريا لمسالة حزب الله»، على ما اشار.
وفي هذا الاطار كشفت مصادر مواكبة ان واشنطن انتزعت من دمشق قرارا بنقل مستوى العلاقات والتفاوض مع بيروت من المستوى العسكري الى المستوى السياسي والدبلوماسي، والذي ستكون اولى بوادره زيارة الوفد السوري الى العاصمة اللبنانية.
وتشير المعطيات الى ان اللقاء الذي سيحصل في بيروت هو الاول من نوعه على هذا المستوى، حيث سيبحث في ملفات شائكة كما سيمهد لعقد لقاءات رفيعة المستوى بين الطرفين لاحقا، اذ علم ان تشكيلة الوفد اللبناني ستكون موازية لما يحمله الوفد السوري من صفات، حيث سيتم بحث ملف ترسيم الحدود بشكل تفصيلي في ظل التقدم الحاصل على صعيد ضبط عمليات التهريب ومكافحة المخدرات والممنوعات، ملف المعتقلين، حيث سيعمل على تحضير اتفاقية لتبادل المعتقلين يقسم بموجبها الموقوفون الى فئات، عودة النازحين، حيث ستطالب الدولة اللبنانية باعطاء الاولوية لاعمار المناطق التي يعود اليها النازحون، واخيرا ستتم مراجعة كامل الاتفاقات المبرمة سابقا ومن بينها المجلس الاعلى اللبناني – السوري، الذي تميل الامور نحو الغائه.
وختمت المصادر، بان الاجتماع، الذي لم يحدد تاريخه بعد، سيشكل اختبارا جديا لامكان الانتقال من ادارة الملفات التقنية الى بلورة اطار سياسي جدي للعلاقة بين بيروت ودمشق، ومدى نجاح الضغوط الاميركية والسعودية في وضع العلاقة بين البلدين على السكة.














