في معرض فني استثنائي يقام حاليًا في متحف “فريك” في مانهاتن – نيويورك، يتهافت الزوار منذ 18 حزيران لمشاهدة ثلاث لوحات نادرة للرسام الهولندي الشهير يوهان فيرمير، تحت موضوع يجمعها للمرة الأولى: رسائل الحب. المعرض، المستمر حتى نهاية آب الجاري، يسلّط الضوء على جانب حميمي من فن فيرمير، ويتناول كيف جسّد العلاقة العاطفية عبر مشاهد نسائية يغلب عليها الصمت والانتظار.
اللوحات المعروضة هي: “رسالة حب” (1670)، و”السيدة وخادمتها” (1664)، و”سيدة تكتب رسالة بحضور خادمتها” (1671)، وقد جُمعت من المتحف الوطني الهولندي في أمستردام والمتحف الوطني في دبلن. ورغم أنها لا تتجاوز ثلاث لوحات فقط، فإنها تحمل ثقلًا رمزيًا وجماليًا كبيرًا، كونها تمثل نصف ما رسمه فيرمير من مشاهد لنساء يكتبن رسائل في حضرة خادماتهن، وهو موضوع كان شائعًا ومشحونًا بالدلالات في القرن السابع عشر.
تميزت تلك المرحلة التاريخية بدور خفي للخادمات، حيث كُنّ حاملات أسرار سيدات المجتمع، ووسيطات غير رسميّات في تبادل الرسائل العاطفية. في هذه اللوحات، نرى ذلك بوضوح: سيدات ينشغلن بالكتابة أو القراءة، وخادمات يسلّمن أو ينتظرن، وعيون تتبادل النظرات، بينما يُبقي الرسام مضمون الرسائل طي الكتمان. فيرمير لا يصرّح، بل يلمّح. يضيء على التوتر، أو الحنين، أو القلق، ويترك للمشاهد تفسير المشهد بصمت.
التقنيات التي استخدمها فيرمير، من توزيع الضوء والظل، إلى طريقة تنظيم المساحات، تعكس قدرته على تحويل لحظات بسيطة من الحياة اليومية إلى مشاهد درامية ناعمة. ففي لوحة “رسالة حب”، مثلاً، تُظلم مقدمة الغرفة بينما تتلألأ ملامح السيدة والخادمة. أما في “السيدة وخادمتها”، فالمشهد يبدو أكثر توترًا، حيث تقاطع الخادمة سيدتها برسالة جديدة. وفي “سيدة تكتب رسالة”، تُدير الخادمة نظراتها خارج النافذة بلا مبالاة، تاركة السيدة غارقة في كلماتها.
الجانب الإنساني لا يقل قوة عن الجمالي. إحدى تلك اللوحات حاولت زوجة فيرمير الاحتفاظ بها بعد وفاته لإعالة أولادهما العشرة، لكنها اضطرت لاحقًا لإعطائها للخباز مقابل أرغفة من الخبز، ما يعكس المفارقة المؤلمة بين القيمة الفنية التي لم تُدرك حينها، والواقع المعيشي القاسي.
هذا المعرض، رغم حجمه الصغير، يقدّم تجربة فنية غنية وهادئة، تسلط الضوء على قدرة الفن على الإمساك بلحظات تبدو عادية، لكنها مفعمة بالمشاعر والتوترات غير المنطوقة. فيرمير، الذي ظل منطويًا على نفسه في حياته القصيرة، رسم نساءً يكتبن رسائل لا نعرف ما بداخلها، لكنه منحنا نظرة خالدة إلى ما في داخلهن.













