السبت, فبراير 14, 2026
spot_img
spot_img
spot_img
الرئيسيةSlider"حرب النكايات"… من السلاح إلى الأوتوستراد!

“حرب النكايات”… من السلاح إلى الأوتوستراد!

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

| زينة أرزوني |

 

ها قد بدأنا نخلع أسماء الزعماء عن الشوارع كما نخلع الأوهام عن الذاكرة.. وها هي حكومة نواف سلام، في لحظة من لحظات “السيادة الفجائية”، تقرّر نزع إسم حافظ الأسد عن أوتوستراد المطار، وتزرع مكانه إسم زياد الرحباني. قرار يشبه عملية تجميل لوجه بلا ملامح… أو عملية قصّ شعر في جنازة!

ففي بلد تتغيّر فيه أسماء الشوارع أكثر من تغيّر الأحزاب في تحالفاتها، ويستبدل فيه الوزراء خرائط السير بخطط الانتقام السياسي، يبدو أن القرار الأخير لحكومة سلام لم يكن مجرّد تعديل بلدي، بل إعادة تموضع استراتيجي في لعبة “حرب النكايات” التي صارت المهنة الوحيدة المتاحة للطبقة الحاكمة اليوم.

منذ إعلان القرار، وسؤال واحد يطنّ في رأسي: ما الذي انتصرنا فيه بالضبط؟ هل نجحنا في اقتحام حصون التاريخ المزيّف؟ أم أننا ببساطة نحفر في قبور الماضي بينما الحاضر ينهار علينا قطعة قطعة؟ حكومة تحمل مشعل “اليد النظيفة” ارتأت أن تنتقم من التاريخ… عبر لوحة معدنية على طريق المطار!

ولكن، لنسأل: هل فات الحكومة أو مستشاريها أن “الرحابنة”، وعلى رأسهم زياد، لم يكونوا يوماً على خلاف مع حافظ الأسد؟ أم أن الحماسة السياسية أنستهم أن سوريا كانت يوماً “الحضن العربي” للفن، حين كانت الدولة اللبنانية منهمكة بعدد ضحايا الحرب الأهلية… وتهنئة الفنانين بعد الوفاة بأوسمة منتهية الصلاحية؟

وقبل أن ينعتني أصحاب الحمية بالتبعية وينزعوا عني صفتي الوطنية، أود تذكيرهم بهذه الحادثة فقط، التي تعود إلى العام 1972، حين أصيب عاصي الرحباني بنزيف دماغي، ولم تُحرك الدولة ساكناً.

أما حافظ الأسد فأرسل كبير ضباط القصر الجمهوري إلى بيروت، ومعه 75 ألف ليرة لبنانية لفيروز ومنصور، لتغطية كلفة الجراحة والعلاج في الخارج، ولعل أحداً يشرح لمجلس الوزراء الحالي أن هذا المبلغ كان كفيلاً بإنقاذ حياة وتغطية علاج وسفر، وربما إنتاج ألبوم أيضاً، وهو ما لم تفعله الدولة اللبنانية مع زياد خلال فترة مرضه.

وفي المقابل، قدّمت فيروز و”الرحابنة” ريع حفلتهم في معرض دمشق عام 1973، إلى عائلات الشهداء والجرحى في حرب تشرين.

لكن لا بأس، فالنسيان سياسة رسمية هذه الأيام، خصوصاً حين يتحوّل الفعل السياسي إلى مرادف لكلمة “نزع”، و”سحب” الذي يسيطر على مفردات القاموس اللبناني هذه الفترة، فننزع أسماء، ننزع سلاحاً، ننزع الذاكرة، وربما غداً ننزع الوطن نفسه من الخريطة كرمى لعيون من يتحكم بالدمى اللبنانية اليوم.

أما لماذا إسم زياد على هذا الأوتوستراد تحديداً؟ لماذا لم لم يتم اختيار شارع في الحمرا الأحب على قلبه والذي سكن وألّف ولحّن وغنّى ومات فيه؟

كيف لا وهي التي إختارت المناسبة لتصفّي حسابات وهمية، فإسم زياد الخيار الآمن، صاحب الإجماع الوطني، صوت لا يعارضه أحد، وحين يعارض أحدٌ قرار تسميته، يُتهم بالخيانة، أو بأسوأ الاحتمالات بعدم الإلمام بالذوق العام.

لكن الغريب، أن ذات الدولة التي تتحسس من إسم الأسد، تمرّ مرور الكرام على شوارع تفيض بأسماء جنرالات الاستعمار الفرنسي، لكن يبدو أن ذاكرة الدولة قصيرة، أو مصابة بمتلازمة فقدان السياق عند الحاجة.

الدولة التي تتظاهر بالسيادة اليوم، وتلوّح بشعار “النظافة السياسية”، نسيت ـ أو تناست ـ أن معظم الشوارع في بيروت تحمل أسماء احتلالات وانتدابات رسمية: شارع ديغول، شارع غورو، شارع كليمنصو، شارع فوش، و”الفرنسيين”.

السؤال هنا: هل هذه أسماء مقاومين؟ أم أنها مجرد تذكير دائم بأننا بلد معتاد على السير تحت ظلال الآخرين؟

وما دامت الحماسة الوطنية قد بلغت ذروتها، نقترح على الحكومة أن تُكمل جميلها وتبدأ حملة “تطهير” شاملة. ماذا عن شارع ويغان؟ مدام كوري؟ بلس؟ حتى “شارع المعرض” صار مشبوهاً… فربما عرضوا فيه يوماً كتباً غير موافَق عليها.

ثمّة شيء عبثي في هذه المعركة، وكأنّ الدولة تريد غسل يديها من ماضيها، لكنها تستعمل “ماء النكاية” بدل “ماء الندم”. فالنكاية السياسية والكيدية ضد شريك في الوطن يعملون على نزع سلاحه بالقوة، غررت لهم أنفسهم أنهم بذلك ينتصرون سياسياً وفنياً ويقولون لهم “زمن وصايتكم ووصاية من يدعمكم قد ولى”.

فها هي تسحب إسماً هنا، وتضع إسماً هناك، كأن تغيير اللوحة كفيل بتغيير الحقائق أو صناعة أمجاد جديدة.

وهي تعلم أو تتعامى أن من أطلق اسم حافظ الأسد على الأوتوستراد هو الرئيس الشهيد رفيق الحريري، في احتفال رسمي وشعبي، وليس في ليلة مظلمة.

وإذا كانت المسألة تكمن في منح الشوارع أسماء لبنانية “أصيلة”، وتلك فكرة ممتازة طبعاً، فلماذا لا نرى شارعاً باسم ميخائيل نعيمة أو أمين الريحاني؟ أين توفيق يوسف عواد؟ وعبد الله العلايلي؟ شوشو؟ فريد الأطرش؟ فيروز؟ صباح؟ مارون عبود؟ هؤلاء لم “يحتلوا” لبنان، بل ساهموا في بنائه بالكلمة فوق الكلمة، واللحن فوق الجرح.

لكن لا، يبدو أن الحقد السياسي غلب الذوق الفني، والكيدية تفوقت على الثقافة. فهم لا يغيّرون اسم الشارع حباً بزياد، بل نكايةً بحافظ. لا يحتفون بالثقافة، بل يصفّون حساباً عمره عقدين من الزمن.

لكن لا، لا وقت لدينا للعدالة الرمزية، فنحن في موسم النكايات السياسية. خصمك السياسي لديه شارع؟ انزعه! لديه تمثال؟ أسقطه! لديه رأي؟ اخنقه!

نزع الاسم إذاً ليس بريئاً، بل هو جزء من رواية طويلة: نزع السلاح، نزع النفوذ، نزع الخصم من الذاكرة… ونقنع أنفسنا أننا ننتصر.

وفي زمن تحوّلت فيه الدولة إلى مشغل للفتاوى السياسية، جدير تذكيره بكلمات “المُنَزَّع” اسمه عن الخلاف، والذي ربما لو عرف أنه سيُستخدم كورقة في بازار النكايات، لقال لهم ما قاله يوماً: “أنا والله فكري هنّيك، يعني وهنّي أهلك فيك، ع النظافة بالمواقف، ع المواقف بالسياسة، وعلى كلّ شي اسمه تكتيك”.

للانضمام إلى مجموعة “الجريدة” إضغط على الرابط

https://chat.whatsapp.com/D1AbBGEjtWlGzpr4weF4y2?mode=ac_t

spot_img
spot_img

شريط الأحداث

مقالات ذات صلة
spot_img
spot_img