| غاصب المختار |
سرى اعتقاد قبل العدوان الأميركي ـ الإسرائيلي على إيران، بأنها مجرد حرب محدودة عليها لتدمير قدراتها النووية والصاروخية والعسكرية، وضعضعة نظامها، بحيث لا تبقى لها قوة تأثير على أوضاع الإقليم. بينما أظهرت مواقف الأميركيين والإسرائيليين، خلال وبعد العدوان، وحجم العدوان بحد ذاته الذي طال بالاغتيال أركان القوات العسكرية الإيرانية بكل تشكيلاتها، أن المطلوب إخضاع إيران وإدخالها تحت عباءة المشروع الأميركي ـ الإسرائيلي للمنطقة، بل قد تكون حرباً على دول الإقليم التي تدور بالمحور الإيراني لاحقاً، بحيث إذا تمكن الثنائي الأميركي ـ الإسرائيلي من تدمير قدرات إيران، فإنه سيوجه عدوانه نحو اليمن لتجريده من قدراته القتالية أيضاً، وربما يعود لإنهاء ما يعتقد أنها قدرات قتالية باقية لـ”حزب الله” في لبنان، وقد يتنصل الأميركي مما تعهد به للعراق وسوريا ويوجه لهما ، بالتحالف مع الإسرائيلي ـ رسائل نارية، فتدين المنطقة بكاملها من المحيط إلى الخليج لهذا الثنائي الأميركي ـ الإسرائيلي.
لكن تحقيق هذا السيناريو الأسود يستلزم عدة عوامل منها:
أولاً ـ انهيار إيران وحلفاءها عسكرياً بشكل تام، وهو أمر لم يحصل، بدليل حجم الرد الإيراني الواسع على “إسرائيل”، ثم على “قاعدة العديد” العسكرية الأميركية في قطر، ولو أن البعض اعتبره رداً فولكلورياً غير مؤثر، لكنه أثبت شجاعة وجرأة إيران بالرد على الأميركي، وقدرتها على الرد بضربات أكبر وأقوى وأكثر تأثيراً لو أرادت توسيع الاشتباك مع الأميركي.
ثانياً ـ تظهير الموقف الفعلي لروسيا والصين، وربما دول أخرى مثل تركيا. هل تتنازل هذه الدول بسهولة ـ لا سيما روسيا ـ عن كامل مصالحها في المنطقة، وتخرج روسيا من المياه الدافئة في منطقة شرق المتوسط؟
ثالثاً ـ موقف دول الخليج، لا سيما إذا تعرضت لرد إيراني جديد على القواعد الأميركية فيها في حال تكرر العدوان.
وثمة رأي يقول إن الإدارة الأميركية قد وجهت ضربة قوية لكن محدودة لإيران، في رسالة نارية لدفعها للعودة إلى المفاوضات بأسقف وشروط منخفضة، وإن الحرب لا يمكن أن تطول على هذا المنوال نظراً للخسائر التي تسببها لـ”إسرائيل”، التي انهكتها الحروب المتواصلة منذ سنتين ونصف السنة، من حرب غزة إلى حرب لبنان إلى ضرب اليمن وسوريا، وتلقيها الكثير من الضربات لا سيما من الصواريخ الإيرانية واليمنية.
وفي هذا المجال أكدت صحيفة “يسرائيل هيوم” أن الكيان المحتل سعى إلى إنهاء التصعيد بسرعة، وتفادي الانجرار إلى حرب طويلة الأمد قد تستمر لأشهر ولا قدرة له على تحملها، لا سيما بعدما ظهرت النتائج الكارثية على الداخل الإسرائيلي من دمار غير مسبوق، عدا الخسائر غير المباشرة الاقتصادية والمالية والسياحية نتيجة الرد الصاروخي الإيراني.
وفي السياق، ظهر نتيجة الاداء الأميركي أن الرئيس ترامب تمكن، عبر العدوان على إيران، من إظهار نفسه حامياً لـ”إسرائيل”، ومن تحجيم غلواء بنيامين نتنياهو ولجمه وإخضاعه للسير وفق الاجندة الأميركية بعيدة المدى، التي تقوم على عقد التسويات بعد حروب إخضاع صغيرة وقصيرة المدى للدول التي لا تلتزم الأجندة الأميركية. وبهذا يكون ترامب قد أصاب عصفورين بحجر واحد، محاولة جر إيران للعبة المفاوضات وفق شروطه، وجرّ “إسرائيل” ونتنياهو بالذات إلى الالتزام بسياساته.
لكن بدا من سير الأحداث ونتائج العدوان أن “العصفور الإيراني” لازال يتمتع بقدرة على التحليق والمناورة والتفلّت من أي املاءات أميركية عليه، لا سيما أنه يستطيع التحكم بحركة الملاحة البحرية التجارية في الخليج والبحر الأحمر، وأنه استوعب الضربات العسكرية وأعاد ترميم هيكلية القوى العسكرية بعد اغتيال قادتها، وليس من السهل فرض الشروط عليه.
لذلك، فإن المرحلة المقبلة ستكون مرحلة شد حبال سياسية بين إيران وأميركا قبل اتضاح مسار الأمور. هل يعود الجميع إلى المفاوضات، أم يكتفي الأميركي بما حققه من تأخير تقدم البرنامج النووي الإيراني فترة من الوقت، ثم يتوجه نحو حلول اخرى؟













