| ديفيد إي سانغر |
إن طموح “إسرائيل” ظل تدمير قلب البرنامج النووي الإيراني، لكن تقييم العملية وما حققته قد يستغرق وقتًا طويلاً. فعندما قال رئيس الوزراء الإسرائيلي إن الطيران الإسرائيلي ضرب “مركز التخصيب الرئيسي الإيراني نطنز”، كان يؤشر إلى مدى طموحاته في الهجوم الكبير الذي استهدف إيران: لقد أراد تدمير القلب النابض للمشروع النووي الإيراني.
وتعتبر منشأة نطنز المكان الذي أنتجت فيه إيران الغالبية العظمى من وقودها النووي. وفي السنوات الثلاث الماضية، أنتجت الكثير من الوقود الذي يقارب درجة صنع القنبلة، والذي وضع البلاد على أعتاب بناء أسلحة نووية. ولم ترد تقارير حتى الآن عما إذا كان موقع التخصيب الرئيسي الآخر في إيران، فوردو، قد استُهدف أيضًا. إنه هدف أصعب بكثير، مدفون عميقًا تحت جبل، وصُمّم عمدًا ليكون بعيدًا عن أي هجمات، بما فيها الإسرائيلية.
ونتيجة لذلك، قد يستغرق الأمر أيامًا أو أسابيع للإجابة على أحد أكثر الأسئلة أهمية المحيطة بالهجوم على منشآت إيران: كم من الوقت أخّرت “إسرائيل” البرنامج النووي الإيراني؟
إذا تأخر البرنامج لمدة عام أو عامين فقط، فقد يبدو الأمر كما لو أن “إسرائيل” قد خاضت مخاطرة كبيرة لتأخير قصير الأجل إلى حد ما.
ومن بين هذه المخاطر ليس فقط إمكانية نشوب حرب طويلة الأمد، ولكن أيضًا انسحاب إيران من معاهدة حظر الانتشار النووي، وتحويل برنامجها إلى العمل السري، والتسابق للحصول على سلاح، وهي بالضبط النتيجة التي كان نتنياهو يهدف إلى منعها.
ويشير التاريخ إلى أن مثل هذه الهجمات لها نتائج غير متوقعة. حتى الهجوم الأكثر براعة على البرنامج قبل 15 عامًا، وهو هجوم إلكتروني وضع برامج ضارة في النظام، ما أدى إلى تدمير أجهزة الطرد المركزي، لم يُبطئ إيران إلا لمدة عام أو عامين. وعندما عاد البرنامج، كان أكبر من أي وقت مضى.
وعلى مدى 20 عامًا، استهدفت “إسرائيل” والولايات المتحدة آلاف أجهزة الطرد المركزي التي تعمل داخل منشأة نطنز، على أمل خنق المكون الرئيسي الذي يحتاجه العلماء الإيرانيون لبناء ترسانة نووية. وطوّرت الدولتان معًا فيروس “ستاكسنت”، وهو سلاح إلكتروني يهدف إلى جعل أجهزة الطرد المركزي تخرج عن السيطرة. وقد طُورت تلك العملية، التي تحمل الاسم الرمزي “الألعاب الأولمبية”، في إدارة جورج دبليو بوش وازدهرت في إدارة باراك أوباما، حتى تم الكشف عنها. ثم قامت “إسرائيل” بتخريب المباني التي تنتج أجزاء أساسية لأجهزة الطرد المركزي، وبدأت في اغتيال العلماء الرئيسيين للعملية. لكن تلك كانت انتكاسات مؤقتة، تعافت إيران بسرعة، واستمرت أجهزة الطرد المركزي في نطنز في الدوران، حتى أجبرها الاتفاق النووي لعام 2015 مع طهران على التخلي عن 97% من وقودها وإبطاء التخصيب في نطنز إلى حد كبير. كما حدد هذا الاتفاق مستوى التخصيب إلى مستوى مفيد لتوليد الطاقة النووية، ولكنه غير كافٍ لصنع قنبلة.
إن مجمع نطنز بدا، على مدى السنوات الثلاث الماضية، وكأنه بات تحت السيطرة. واعتقد معظم المسؤولين الأميركيين أن الاتفاق، وإن لم ينهِ البرنامج، إلا أنه احتواه، حيث أصبح إنتاج منشأة نطنز قليلاً. لكن بعد ذلك، انسحب الرئيس دونالد ترامب من الاتفاق عام 2018، واصفًا إياه بالكارثة وأنه أسوأ اتفاق في التاريخ.
وفي غضون بضع سنوات، بدأت إيران في تسريع عمل المنشأة، وتركيب أجهزة طرد مركزي جديدة وأكثر كفاءة. ورفعت مستويات التخصيب إلى نسبة نقاء 60%، أي أقل بقليل من درجة صنع القنبلة.
وقال الخبراء إن الأمر لن يستغرق سوى بضعة أسابيع لرفع المستوى إلى 90% وهو المستوى المستخدم عادة في الأسلحة الذرية. كما اتخذت إيران خطوات أخرى جعلت نطنز هدفًا أكبر.
وخلال الأشهر القليلة الماضية، خلص المفتشون الدوليون إلى أن إيران سرّعت تخصيبها.
استغل نتنياهو التقدم الأخير ليجادل بأن إيران لديها الآن ما يكفي من الوقود لتسعة أسلحة، وأن البلاد يمكنها “تسليح” هذا الوقود في غضون عام. وهذا يتفق مع ما أفاد به المفتشون قبل أسبوع. وجاء كلامه في خطاب للإسرائيليين، واقترح المسؤولون الاستخباراتيون أن المخاطر عالية. إلا أن هذا الحكم سيظل محلاً للجدال ولفترة طويلة، إلى جانب الدبلوماسية التي اختارتها إدارة ترامب، وكانت ستقوم باحتواء البرنامج النووي الإيراني.
ومع ذلك فمن المبكر الحديث عن ضرر أصاب منشأة نطنز، فهي ليست مدفونة عميقًا تحت الأرض، لكن قاعات أجهزة الطرد المركزي تقع على عمق 50 ياردة أو أكثر تحت الصحراء، ومغطاة بخرسانة شديدة التسليح. والسؤال هو ما إذا كانت أجهزة الطرد المركزي قد دُمرت.
وقد تجاوزت هجمات “إسرائيل” المنشآت، إذ سعت أيضًا إلى القضاء على القيادة العسكرية والنووية. ولسنوات، استهدفت “إسرائيل” كبار العلماء النوويين بشكل فردي، حيث قُتل بعضهم بقنابل لاصقة مثبتة على أبواب سياراتهم. وقُتل كبير العلماء النوويين في البلاد في عملية اغتيال بمساعدة روبوت. لكن بعض الضربات التي شُنت فجر الجمعة بدت وكأنها قد دمرت مقراتهم وأماكن معيشتهم، في إطار محاولة واضحة للتخلص منهم وبطريقة جماعية.
ولا يزال الغموض يحيط بالهجوم، حول ما إذا كانت “إسرائيل” قد حاولت ضرب أعمق منشأة وأكثرها حماية بين مجمعاتها النووية المترامية الأطراف: مركز التخصيب المسمى “فوردو”.
يقع المركز في قاعدة تابعة لـ “الحرس الثوري” الإسلامي، في عمق جبل، على عمق نصف ميل تقريبًا تحت سطح الأرض، وفقًا لرافائيل ماريانو غروسي، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، الذي زار الموقع. وإذا لم تضرب “فوردو”، يقول بريت ماكغورك، الذي شغل منصب منسق شؤون الشرق الأوسط لعدة رؤساء أميركيين من كلا الحزبين، “فإنك لم تقضِ على قدرتهم على إنتاج مواد صالحة لصنع الأسلحة”. وقال مسؤولون أميركيون إن “إسرائيل” لا تملك القنابل الخارقة للتحصينات اللازمة لضرب تلك المنشأة، حيث تم تركيب أجهزة الطرد المركزي الأكثر تطورًا لدى إيران. وإذا نجا “فوردو” من الهجمات، فهناك فرصة كبيرة لاستمرار التكنولوجيا الرئيسية للبرنامج النووي الإيراني.














