| ناديا الحلاق |
عاد ملف الإيجارات القديمة إلى واجهة النقاش العام مجددًا، مع الإعلان عن قرب نشر قانون الإيجارات للأماكن غير السكنية في الجريدة الرسمية، بعد إعادة إصداره من قبل رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، وتوقيعه من رئيس الحكومة نواف سلام.
القانون، الذي جاء بناءً على قرار المجلس الدستوري الأخير، ما أحيا النزاع التاريخي بين المالكين القدامى والمستأجرين، في ظل انقسام حاد حول ما إذا كان يمثل تصحيحاً قانونياً طال انتظاره أم خطوة تهدّد آلاف المؤسسات بالإغلاق.
في هذا السياق، قال رئيس نقابة مالكي العقارات والأبنية المؤجرة، النقيب باتريك رزق الله، في حديث لموقع “الجريدة”، إن “من المتوقّع أن يُنشر قانون الإيجارات للأماكن غير السكنية في الجريدة الرسمية يوم الخميس، بعد استكمال التوقيعات الرسمية وتحويله للنشر، مشيراً إلى أن القانون يسلك أخيراً “المسار الصحيح” بعد أكثر من سنة ونصف من التعطيل”.
وأكد رزق الله أن “هذا التأخير غير المبرر كلّف المالكين الكثير، معتبراً أن القانون يشكل بارقة أمل لأصحاب الحقوق الذين حُرموا من تحصيل بدلات عادلة لعقاراتهم طوال أربعة عقود”.
ولفت إلى أن القانون ينص على تحرير تدريجي لعقود الإيجار على مدى أربع سنوات، إلا أن تعطيل التنفيذ فعليًا أتاح للمستأجرين التمديد لستّ سنوات بدلًا من أربع، ما يشكل “استثمارًا مجانياً طويلاً وغير منصف في أملاك الآخرين”.
الشارع يغلي والرد حاضر
في المقابل، عبّرت لجان التجار والمستأجرين عن رفضها التام لإقرار القانون، ونظّمت اعتصاماً حاشداً في ساحة رياض الصلح، حذّرت فيه من تداعيات تنفيذه على القطاع التجاري، مشيرة إلى أن آلاف المؤسسات مهددة بالإقفال، وعائلات كثيرة ستكون عرضة للتشريد، وفق تعبيرهم.
واعتبروا أن إصدار القانون جاء استجابةً لما وصفوه بـ”إملاءات المالكين القدامى والنواب الداعمين لهم”، في ظل ظروف اقتصادية قاهرة وأضرار جسيمة لحقت بالقطاعات نتيجة الاعتداءات الإسرائيلية والأزمة المالية المتفاقمة.
رزق الله ردّ على هذه الاعتراضات قائلاً إن “من غير المقبول أن يستمر بعض المستأجرين في دفع بدلات لا تتجاوز الدولار أو الدولارين شهرياً، رغم إشغالهم لعقارات تجارية ضخمة، مستشهدًا بحالة “الاتحاد الوطني للنقابات” الذي يدفع 20 دولارًا فقط شهريًا بدل أربع شقق تبلغ مساحتها نحو 600 متر مربع، بحسب تعبيره”.
المالكون يناشدون.. والنواب أمام امتحان جديد
وفي ما خص تهديد المستأجرين باللجوء إلى المجلس الدستوري للطعن بالقانون، ناشد رزق الله “النواب عدم التوقيع على أي مراجعة طعن جديدة، محذرًا من أن المماطلة المستمرة في التنفيذ تفقد المؤجرين الثقة بخدمة الإيجار ككل، وتضرّ بسوق العقارات على المدى البعيد”.
وأوضح أن “القانون الحالي رغم ما أُحيط به من تجاذبات سياسية وقانونية، يمنح المستأجرين أربع سنوات انتقالية بعد تعطيله لسنتين بسبب مخالفة دستورية نسبت إلى حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، مما يعني أن المستأجرين يستفيدون فعليًا من ست سنوات إضافية لتسوية أوضاعهم، وهو وقت كافٍ لتأمين البدائل”.
وفي سؤال له وجّه من خلاله رسالة إلى الرأي العام والسلطات المعنية، قال: “ألا يكفي ما مرّ به المالكون؟ أليس من حقهم، بعد أربعين عامًا من الإجحاف، أن يبدأوا بتقاضي بدلات الإيجار التي تُمكّنهم من تأمين أبسط مقومات الحياة؟ أليس من حقهم شراء الدواء وتوفير الغذاء والماء لأسرهم؟”.
وشدّد على أن “تطبيق القانون بات ضرورة لا تحتمل التأجيل، مطالبًا ببدء دفع بدلات الإيجار الجديدة “اعتبارًا من نهاية هذا الشهر، تحقيقًا للعدالة الاجتماعية وإنصافًا لفئة طال تهميشها في السياسات العامة”.
وهكذا، يعيد القانون فتح واحد من أكثر الملفات حساسيةً وإثارةً للانقسام في لبنان، حيث يصطدم الحق بالحق، وتُترجم سنوات من التعقيدات التشريعية إلى توتّرات اجتماعية في الشارع. وبينما يرى المالكون في القانون الجديد بداية لاستعادة حقوقهم، يصفه المستأجرون بالكارثة التي تهدد أمنهم المهني والمعيشي.
لكن الحقيقة تبقى أن معالجة هذا الملف لا يمكن أن تتم بالشعارات أو الاعتصامات، بل بتطبيق القانون ضمن إطار عادل ومتوازن. فاستمرار التأجيل والمماطلة لا يخدم أحدًا، بل يضاعف الانقسام، ويهزّ ثقة المواطنين بالدولة ومؤسساتها.
الرهان اليوم على تطبيق القانون من دون تمييز أو استنسابية، بما يضمن العدالة للطرفين، ويحمي ما تبقى من ثقة في نظام الإيجارات، وفي الدولة كضامنة للحقوق لا طرفًا في النزاع.













