| جورج علم |
زار وزير خارجيّة إيران عبّاس عراقجي بيروت مؤخراً، وتركت زيارته ردود فعل:
الولايات المتحدة لم تكن مرحّبة، وإن كانت متفهّمة للأسباب القاهرة التي دفعت بالمسؤولين إلى التعاطي معها كأمر واقع.
“إسرائيل” إعتبرتها إستفزازيّة من حيث الشكل والمضمون.
الخليجيّون إستفسروا عن النتائج. ماذا حقّقت؟ وهل ما حقّقته يخدم مسيرة حصر السلاح، وحصريّة قرار الحرب والسلم كما ينادي الرئيس جوزاف عون في خطاب القسم، والحكومة في بيانها الوزاري؟ أم أن ما حصل كان مجرّد إستعراض إعلامي يخدم إيران معنويّاً، ويؤكد بأنها ليست دولة معزولة على مستوى الإقليم؟
يذهب بعض الخليجيّين نحو الأبعد، يسلّطون الضوء على سوريا، ويؤكدون بأن المسؤول الإيراني ـ أي مسؤول ـ قد عودنا على الوصول إلى بيروت من البوابة السورية، أو العودة من بيروت إلى طهران عبر المحطة الدمشقيّة. هذه المرّة كانت مغايرة. لا سوريا أحمد الشرع إستقبلت عراقجي، ولا الأخير حطّ رحاله في “قصر الشعب”، وهذا ما يمايز دمشق عن بيروت بملا حظتين:
الأولى، أن الرئيس السوري قادر على إتخاذ قرار الرفض أو القبول رغم ظروفه الداخليّة الصعبة، في حين الرئيس اللبناني لا يملك مثل هذا الترف مراعاة للسلم الأهلي، والتوازنات الداخليّة.
الثانيّة، أن الرئيس السوري قد قطع أشواطاً في مسيرة إنفتاحه على واشنطن، وتل أبيب، في حين أن الرئيس اللبناني لا يزال أسير الإبتزاز الأميركي ـ الإسرائيلي، من جهة، وصراع المحاور من جهة أخرى، خصوصا أن الساحة اللبنانيّة كانت ولا تزال ـ وإن بوتيرة أخف ـ مكشوفة أمام “الكباش الإيرانيّ ـ الإسرائيليّ ـ الأميركي”، وهو حريص على مقاربة التحديات المتناسلة من منطلقات الحرص على مصالح البلاد العليا بأبعادها الوطنيّة، والميثاقيّة، والسياديّة.
كان بيانه شديد اللهجة في شجب وإستنكار الإعتداء الإسرائيلي على الضاحية الجنوبيّة عشيّة عيد الأضحى، وقد ترك تراجيع صدى لدى الدوائر الأميركيّة، والأوروبيّة، إلاّ أن واشنطن قاربت التطوّر من منظار شمولي، وتعاطت مع الغارة كجزء من كل، إنطلاقاً من زيارة عراقجي الذي جاء يستغلّ شرفة بيروت الإعلاميّة، صوتاً وصورة، من دون كلمة مأثورة، بمعنى أنه لم يترك وديعة تخدم العهد في إعادة بناء الدولة السيّدة، القوية، وصاحبة قرار الحرب والسلم.
لم يصدر عن واشنطن بيان إعتراض علنيّ، لكن ردّة الفعل ـ كما رصدتها قنوات دبلوماسيّة ـ إستندت إلى الآتي:
أ ـ شكّلت الزيارة مكسباً دبلوماسيّاً لإيران في زمن المفاوضات الدقيقة حول برنامجها النووي، ودورها في الأقليم. جاء الوزير عراقجي ليأخذ، لا ليعطي. وليؤكد على نفوذ معنوي لا يزال يمتلكه في بيروت على الرغم من الإحاطة الخليجيّة للعهد، والدور الأميركي المتقدم في دعم الدولة في مسيرة إسترجاع سيادتها على المناطق التي كانت خارج نفوذها، وخاضعة تماماً للنفوذ الإيراني.
ب ـ لم تعارض واشنطن الغارة، لكنها تحفّظت على التوقيت ـ عشيّة الأضحى – وعلى الحجم، والإشكاليّة التي وضعت لجنة الإشراف على تنفيذ إتفاق وقف إطلاق النار في موقف حرج. كما تحفّظت على موقف قيادة الجيش من التعاون مع اللجنة.
ج ـ لم تتقبل واشنطن صيغة البيان الذي صدر عن رئيس الجمهوريّة، والذي يحمّلها مسؤولية معنويّة حول إستمرار الغطرسة الإسرائيليّة.
إنها ترفض سياسة التعاطي “عالقطعة”. كانت تنتظر أن تكون القنوات الدبلوماسيّة أكثر شفافيّة بأن تتلقى واشنطن بريداً من بيروت ينبئها بزيارة الوزير عراقجي، والمواضيع التي تستوجب زيارته.
كانت تتوقع أن تكون المملكة العربيّة السعوديّة، وبعض دول مجلس التعاون الخليجي على علم رسمي لبناني بهذه الزيارة من حيث التوقيت وجدول الأعمال، طالما أن العهد قد عقد العزم على فتح صفحة شفافة من التعاون مع الأميركي والخليجي لتمكينه من وضع خطاب القسم موضع التنفيذ.
كانت تتوقع أن تبادر الدوائر الرسميّة المختصة إبلاغ الأميركييّن والخليجيّين بنتائج الزيارة، كما تقتضي الأصول ما بين الحلفاء الموثوقين، لكن ثغرات كثيرة كانت، ولا تزال، محفورة على الطريق تعيق الإقلاع الجيّد، والسريع “للفينيق” اللبناني.
الآن.. وماذا بعد؟
تعترف واشنطن بالخطوات التي قام بها الجيش اللبناني في الجنوب، لجهة تنفيذ إتفاق وقف إطلاق النار، وإسترجاع سيادة الدولة، وتدمير مخازن السلاح غير الشرعي.
وتعترف بأن لبنان الرسمي عالج ـ ولا يزال ـ سلاح “حزب الله” ببعده الداخلي عن طريق التفهّم والتفاهم، ويعوّل على السعوديّة، وفرنسا، والولايات المتحدة، ودول شقيقة وصديقة، لمساعدته على معالجة البعد الخارجي لهذا السلاح، وتحديداً مع طهران.
أما الإشكاليّة التي تأخذ حيّزاً من النقاش وراء الكواليس، فتتمثّل بالآتي: إذا كان عراقجي في بيروت على رحب وسعة، فلماذا لا يناقش المسؤولون مسألة السلاح معه بصورة مباشرة، وصريحة، وشفّافة، ومن دون مواربة، وقفّازات حريريّة، مجاهرين بتدخل إيران المباشر بشؤون لبنان الداخليّة من خلال مجموعة تدين لها بالولاء السياسي والعقائدي؟
أما إذا كان لبنان الرسمي عاجزاً، ويريد تفعيل الدور الأميركي ـ الفرنسي ـ الخليجي لمساعدته لدى طهران على معالجة البعد الإقليمي لحصرية السلاح، فلماذا يستقبل عراقجي، ولأي هدف؟ وعلى ماذا أسفر هذا الإستقبال من نتائج يبنى عليها؟
وتبقى ملاحظة على جانب كبير من الأهميّة مفادها أن بيانات الشجب، والإستنكار لغة فقدت مفعولها، أصبحت ممجوجة، وغير ذي جدوى، كونها فاقدة الصلاحيّة، وبالتالي لا بد من لغة جديدة تحاكي الواقع والتحديات. ونصيحة الثلاثي الخليجي ـ الفرنسي ـ الأميركي إلى المعنيّين خلاصتها الآتي: “بدلاً أن تجهدوا أنفسكم بإنتقاء مفردات الشجب والإستنكار، أجهدوا أنفسكم بإنتقاء خريطة طريق عملانيّة تخرج لبنان من هوّته… إلاّ إذا كان البعض لا يريد، أو لا مصلحة له، في قيام دولة قويّة في لبنان، قادرة على إمتلاك قرار الحرب والسلم.. عندها أنشروا غسيلكم الوسخ.. لكن ليس على سطوحنا”!













