| جورج علم |
ما يجري في سوريا، ومعها، ليس بالسرديات المسليّة، بل تحوّل كبير يفترض مقاربته بكثير من الإهتمام والإنتباه نظراً لأبعاده، ومراميه.
حمل ساعي البريد رسالتين لمن يهمّه الأمر، رفع العقوبات الأميركيّة، والبدء بحوار سوري ـ إسرائيلي.
قرأ اللبناني الرسالتين، فأثنى على رفع العقوبات، وإكتفى بالصمت حول الحوار. وفي الحالتين لا شحم، ولا نار، ولا وتد يُغرس فيه مسمار.
كان المنتظر، على سبيل المثال، عقد ثلاثيّة في القصر الجمهوري، تنضم إليها رؤوس منتجة لها خبرة في العلاقات الدوليّة، لتحديد موقع لبنان من المستجدات التي عصفت في المنطقة، دفعة واحدة، بعد زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الخليج.
إجتماع، يرسم على الأقل خريطة طريق، تبيّن حقيقة ما نحن عليه، وما يمكن عمله لتفادي ما قد نُدفع إليه.
كان المنتظر، على سبيل المثال، أن تحرّك الدبلوماسيّة اللبنانيّة ساكناً في عواصم دول القرار، حول ما هو عليه لبنان، وما يصبو إليه، سعياً لحصد نتائج ملموسة من الدعم، بعد المصارحة بضعف الإمكانات، وحجم التحديات.
حتى الآن شبع الناس كلاماً حول حصريّة السلاح، وورشة الإصلاح، والليالي الملاح، ولكن المتغيّر الذي يدهم يومياتهم، ويراكم من هواجسهم، يفرض عليهم تحديات جديدة لا يمكن مواجهتها عن طريق طمر الرؤوس بالرمال، وإنتظار ما يدبّر لنا كي نتعاطى معه كأمر واقع!
تستدعي المصلحة اللبنانيّة العليا قراءة هادئة ومعمّقة لحقيقة ما تريده الإدارة الأميركيّة من لبنان، وإلى أيّ مدى يستطيع هذا اللبنان أن يلبّي ما تريده الإدارة الأميركيّة؟
هل من حوار جدّي؟ هل نحن قادرون عليه، ومتمكّنون من بلوغه بموقف وطني جامع تقتضيه المصلحة العليا، أم يفترض المراوحة، وإنتظار السيدة مورغان أورتاغوس متى تأتي، وكيف ستأتي، وماذا تحمل في جعبتها عندما تأتي؟!
إن الإهتمام بالمتغيّر الذي يصيب الرئة اللبنانيّة، يفترض أن يكون إستثنائياً، لأن معالم الطريق ما بين بيروت ودمشق قد تغيّرت، وبدأت تمرّ، من الآن فصاعداً، بواشنطن أولاً، ثم بتل أبيب. وكل الملفات المدرجة على قائمة الإهتمام المشترك، يجب أن تمر على اللجنة الفاحصة الأميركيّة ـ الإسرائيليّة كي تؤشر عليها، قبل أن تكمل طريقها نحو التنفيذ. ملف ترسيم الحدود البريّة والبحريّة. ملف النازحين. ملف المعتقلين. ملف التهريب، والمعابر غير الشرعيّة. أمن الحدود البريّة المشتركة. العلاقات الثنائية بمختلف وجوهها الأمنيّة، والسياسيّة، والإقتصاديّة والإجتماعيّة.
إن الحوار السوري ـ الإسرائيلي الذي بدأ برعاية اميركيّة، قد يخوّل “إسرائيل” تنظيم حركة الترانزيت، ومعاينة قوافل النقل من لبنان إلى العالم العربي، عبر البوابات السوريّة، وربما يسمح لها بعدسة لاقطة تميّز الأشياء، على أن تحتفظ بمرجعيّة الإمرة بين المقبول تصديره، والمرفوض!
إن العلاقات بين لبنان وسوريا التي تفرضها المصالح المشتركة، كانت، ولا تزال، وستبقى، ضرورة ملحّة، وحاجة حتميّة، في كل الأوقات والظروف. لكنها في الماضي كانت منزّهة إلى حدّ كبير عن التدخلات الخارجيّة. الآن تغيّر المشهد، ومعه الحسابات. هناك على الطريق حاجز أميركي، وآخر إسرائيلي، فكيف سيكون التعاطي؟ وما هي الشروط المطلوبة للحصول على تأشيرة المرور نحو التعاون؟!
الأميركي في سوريا يرفع العقوبات، ويمنح الرئيس أحمد الشرع فرصة لتنشّق الأوكسجين، نزولاً عند طلب ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وقد استجيب طلبه فوراً، كون حجم الإستثمارات، يساوي تريليونات من الدولارات.
قد يكون رفع العقوبات جائزة ترضية، لكن جوائز الترضية لا تمنح مجاناً من دون مقابل، ويبدو أن المقابل هنا يوازي إنتداباً أميركياً مقنّعاً، وخريطة طريق واضحة المحطات والأهداف، ومسارات لا بدّ من سلوكها لتأمين المآرب المشتركة.
الإسرائيلي في سوريا. إنه على أبواب العاصمة دمشق عسكريّاً، وفي قلب أسرارها، وقراراتها، وخياراتها، مخابراتيّاً. وكل شاردة أو واردة تمرّ بمخفره قبل بلوغ المحطات المتوخاة.
الحوار بدأ. وهناك إجتماعات سوريّة ـ إسرائيليّة مشتركة، تعقد على مستوى خبراء وأهل إختصاص، لمناقشة تفاصيل التفاصيل التي يفترض أن تنتهي إليها العلاقات بين الجانبين.
لايكفي أن يقف لبنان أمام هذا المشهد مشدوهاً، مستسلماً، منتظراً المفاجآت، ومعايناً المتغييرات، والتحولات، بل عليه أن ينطلق، أن يبادر لحماية موقعه من الأفخاخ، والمنزلقات القاتلة.
هناك فرصة. الكل يتحدّث عنها، الأميركي، والأوروبي، والدول المشاركة في قوات “اليونيفيل”، والأشقاء العرب، وتحديداً الخليجيّين، يجب أن يستغلّها لبنان الدولة للخروج من الثرثرة إلى الجدّية، ومن سياسة “كيفك يا خال، هل ماشي الحال؟!”…
لا، “مش ماشي الحال”. الفرصة لا تدوم. قد تكون على مدى أسابيع أو أشهر، لكنها ليست متاحة إلى ما شاء الله، وحتى ولو كانت كذلك، فإنها تبدو محاصرة بمتغيّرات، وتحديات قد تحوّلها من إنقاذ، إلى فرصة ضياع.
هناك وقائع ثلاث تفرض حضورها في الخطاب السياسي الدولي ـ العربي تجاه لبنان:
• التعايش ما بين الدولة والدويلة غير مقبول، وغير ممكن، وغير متاح، إنه من سابع المستحيلات، فإما دول… أو دويلات!
• إن لبنان قد إنتقل، بحكم الأمر الواقع، من رصيف الإسناد على طول محور الممانعة، إلى الخيمة الأميركيّة ـ الإسرائيليّة، بعدما أثبتت التجارب أن الشعبويات، والمزايدات، والبطولات الممّوهة بالشعارات، قد أوصلتنا إلى ما نحن عليه.
• إن سوريا الشقيقة، والجارة، والرئة، والمتنفّس، أمام واقع جديد يبلوره الحوار السوري ـ الأميركي ـ الإسرائيلي… ويبقى على لبنان أن يعرف كيف سيتعاطى مع هذا الفرمان!
ما ينتظره.. فنجان قهوة مرّة على الرصيف مع سوريا.. فهل تأتي أورتاغوس بـ”سكّر زيادة”؟!













