يبدو أن صفحة غاري لينكر الطويلة مع هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) توشك على الإغلاق، فبعد 26 عامًا من تقديم البرنامج الرياضي الأشهر “ماتش أوف ذي داي”، من المتوقع أن يعلن نجم كرة القدم السابق والإعلامي المعروف مغادرته للهيئة، وسط جدل متصاعد حول مواقفه السياسية وانتقاداته العلنية لحروب غزة والرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وكانت صحيفة “ذي صن” البريطانية أول من كشف عن القرار، مشيرة إلى أن ظهور لينكر الأخير سيكون يوم الأحد المقبل، ما يعني أنه لن يكون ضمن فريق تغطية مونديال 2026، رغم أنه كان من المقرر أن يقود التغطية.
وأتى الخبر في سياق توتر متزايد بين لينكر وإدارة “بي بي سي”، التي ترى أن تعليقات المذيع الأشهر على وسائل التواصل الاجتماعي تجاوزت الخطوط المرسومة لما تصفه بـ”الحياد التحريري”.
ولينكر، المعروف بصراحته، وجد نفسه أكثر من مرة في قلب عواصف إعلامية بسبب مواقفه السياسية الواضحة، وآخرها عندما نشر صورة على حسابه في منصة “X” تتضمن رمزية اعتُبرت معادية للسامية، قبل أن يبادر إلى حذفها ويقدم اعتذارًا علنيًا، مؤكدًا أنه لم يكن يعلم بدلالة الصورة.
وأكدت الهيئة من جهتها أن “سمعة بي بي سي تتأثر بكل من يمثلها”، في إشارة مباشرة إلى أن تغريدات لينكر باتت عبئًا على المؤسسة. ويبدو أن الإدارة لم تعد قادرة على التوفيق بين مكانة لينكر كمقدم برامج رياضية من الطراز الأول وبين نشاطه المكثف على منصات التواصل.
ليست هذه أول أزمة يمر بها لينكر مع “بي بي سي”. ففي آذار 2023 تم تعليق ظهوره بعد تشبيهه سياسات الحكومة البريطانية إزاء المهاجرين بسياسات ألمانيا النازية في الثلاثينات. أعقب ذلك تحديث رسمي لقواعد استخدام وسائل التواصل لمقدمي البرامج في “بي بي سي”، حيث بات مطلوبًا منهم “الالتزام بحيادية أكبر”، خصوصًا أولئك الذين يظهرون في برامج رئيسية كـ”ماتش أوف ذي داي”.
رغم كل ذلك، بقي لينكر متمسكًا بمواقفه، بل وأكد في مقابلة حديثة أن “بي بي سي ربما كانت تريده أن يغادر”، مشيرًا إلى أنه لم يندم على آرائه، وإن كان لن يكرر بعض الأساليب، تجنبًا لما سماه “الهراء المصاحب”.
لينكر لمح أيضًا إلى أنه قد يبتعد عن شاشة التلفزيون نهائيًا، مشيرًا إلى أن المرحلة المقبلة من حياته المهنية قد تكون في عالم البودكاست، حيث الحرية التعبيرية أكبر، بعيدًا عن قيود المؤسسات الإعلامية التقليدية.
الجدير بالذكر أن “بي بي سي” كانت قد بدأت بالفعل في التحضير لمرحلة ما بعد لينكر، بتعيين كيلي كيتس ومارك تشابمان وغابي لوغاني لتقديم البرنامج في موسمه الجديد 2025-2026.
الرحيل – إن تأكد رسميًا – لن يكون مجرد نهاية لمشوار إعلامي طويل، بل يمثل محطة فاصلة في النقاش المستمر حول حدود حرية التعبير للصحافيين والمقدمين في المؤسسات العامة، خاصة حين تتقاطع آراؤهم الشخصية مع قضايا حساسة مثل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
مدير الأخبار والرياضة السابق في بي بي سي، روجر موزي، عبّر عن هذا المأزق بوضوح حين قال: “لا يمكن أن تكون المذيع الأعلى أجرًا في بي بي سي، وناشطًا سياسيًا في الوقت ذاته”. مضيفًا أن دعم الناس لمواقف لينكر يجب ألا يغفل السؤال الأهم: “هل كنا سندافع عنه لو كانت تغريداته في الاتجاه المعاكس؟”.
غاري لينكر، اللاعب السابق والمعلق والمقدم، قد يغادر “بي بي سي”، لكنه بالتأكيد لا يغادر المشهد.













