
لعبت الصدفة دورها في كشف عميل لـ”الموساد” الإسرائيلي يُفترض أنه من “عظام الرقبة” في “حزب الله”.
محمد هادي صالح، عنصر مفصول من “حزب الله”، لكنه ابن قيادي من الرعيل القديم في “حزب الله”. ولذلك كان جاء خبر عمالة الإبن مفجعاً للأب الذي أمضى حياته في مسيرة ليس عليها أي غبار، وكان وقع الخبر صادماً لبيئة “حزب الله” التي كان العميل ملتصقاً بها وينشد الأغاني لها ويعرف عنها وعن الحزب ما لا يعرفه إلا القليل من الجمهور.
في 28 نيسان 2025 وقع محمد هادي صالح في شرّ أعماله، وتم توقيفه، بالتزامن مع هروب شخص آخر مشتبه بالتعامل إلى أربيل في العراق ويدعى “ع. م.” وهو من صفوف “التعبئة”.
ومع تسرب المعلومات عن اعترافات محمد صالح، وما تم ضبطه من وثائق ورسائل على هاتفه، تدحرجت أخبار كثيرة عن سقوط عملاء آخرين، خصوصاً ما تردّد عن نجاح جهاز “أمن المقاومة” بالتنسيق مع الأمن العام اللبناني و شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي، في كشف شبكة من العملاء تضمّ نساء عرف منهم مسؤولة العمل الثقافي في إحدى القرى وإعلامية تحت التدريب وطالب في إحدى الحوزات العلمية في النبطية و ناشطين على مواقع التواصل الإجتماعي عملوا في إعانة النازحين خلال الحرب الأخيرة… لكن هذه “المعلومات” بقيت من دون أي تأكيد.
وعلى وقع هذه الصدمة، والصدمات، نصب عدد من المواطنين مشنقة في “حي الشورى” في الضاحية الجنوبية، في دعوة صريحة لإعدام العملاء الذين يتم كشفهم وإلقاء القبض عليهم.
هكذا سقط العميل محمد صالح
كان محمد هادي صالح عنصراً في “حزب الله”، لكن تم فصله في سنة 2023 بسبب عمله في شركة البورصة “CFI” حيث كان يحوّل أموالاً عبر فرع شركة تحويل الأموال Whish Money في منطقة الغبيري، وأصبح مصدر ثقة بالنسبة لصاحب مكتب التحويل، مما سمح له بالطلب منه إجراء تحويلات مالية بآلاف الدولارات عبر الهاتف ثم يقوم بتسديدها لاحقاً.. إلى أن طلب منه تحويل مبلغ 18,500 دولار على أن يسددها به “بعد قليل” كما اعتاد أن يفعل.. لكن محمد لم يأتِ لتسديد المبلغ، ولم يعد يرد على هاتفه. تمكن صاحب المحل من معرفة عنوان سكن محمد صالح، فتوجه إلى منزله واقتاده إلى محلّه من أجل الحصول على أمواله. وقد أجرى محمد اتصالات بعدد من الأشخاص أمام صاحب المحل لتأمين المبلغ، لكن من دون نتيجة.
وبينما كان صاحب المحل متوتراً جداً لخسارة أمواله، ويصرخ في وجه محمد صالح، حضر أحد أصدقاء صاحب المحل، واستفسر عما يحصل. وبعد معرفته بما حصل، أخذ هاتف محمد صالح وبدأ يتفحّص الرسائل على “الواتس آب” وعلى البريد الالكتروني (email) ودخل إلى أول رسالة بريد الكتروني وتبين له أنها تتضمن طلباً من شخص يدعى “لويس” ويطلب منه أن يتحرّى عن شخص معيّن من “حزب الله”. ثم دخل إلى الرسائل الأخرى واكتشف عدة رسائل من جهة واحدة تطلب معلومات عن أشخاص ومنشآت تابعة لـ”حزب الله” وعن نوع الدراجات النارية التي يقودها عناصر “حزب الله”. كما أنه أرسل قبل دقائق رسالة إلى “لويس” يستجديه فيها لإرسال أموال لأنه محتجز ولن يفرج عنه إلا بدفع المبلغ.
سارع صاحب المحل وصديقه إلى إبلاغ الجهاز الأمني لـ”حزب الله” في منطقة الغبيري، وعندما حضر أحد عناصر أمن الحزب، اعترف محمد صالح سريعاً أنه تم تجنيده في العراق وأنه عاد إلى لبنان بعد انتهاء الحرب وقدم طلب إعادة انتساب إلى الحزب.
بعد ذلك، تم إبلاغ مخفر حارة حريك، وحضرت قوة من الدرك واقتادت محمد إلى المخفر حيث تم توقيفه بناء لإشارة القضاء. اعترف محمد صالح في مخفر حارة حريك أنه بدأ يتواصل مع “الموساد” في تشرين الأول 2024 عندما تفاعل مع منشور دعائي على “فيسبوك” كان تحت عنوان “هل كنت منتسب سابقاً لحزب الله؟”. وعندما دخل وأرسل رسالة، وصله إشعار ورد عليه “شو بيأكدلي انو انتوا الكن علاقة مع الموساد؟”. وبحسب إفادته، أجاب الطرف الاسرائيلي بضحكة وقال له “أرسل رمزاً على الحساب الرسمي الجيش الاسرائيلي على فيسبوك لنعود ونقوم ارساله لك كدليل على صدقنا”.
وبحسب المعلومات، فإن الرقم الذي قام بارساله يتألف من 4 أرقام (سنة ميلاد والده)، وحينها بدأ محمد هادي صالح التواصل مع مشغلين، أحدهم إسمه “محسن” وآخر إسمه “أبو داوود”. وبحسب البريد الالكتروني، وثالث إسمه “علي” (وهي أسماء مستعارة)، وطلبوا منه تزويدهم بمعلومات عن التشكيلات التابعة للفوج الذي خدم فيه كعنصر في “الوحدة 4100″، علماً أنه كان سبق وخدم مع الحزب في حلب بسوريا أيضاً.
وأبلغ صالح المحققين إنه تم تكليفه بالعودة إلى الحزب للعمل في وحدة “العديد المركزي”.
وبحسب المعلومات، عندما كان صالح في الحزب نُقل إلى “الوحدة 1100″، وهي وحدة “الأمن الوقائي”، وذلك لـ”تأهيله”، وأُعيد إلى “الوحدة 4100” وعمل بملف “أمن الأفراد”.
وتضمّنت الرسائل المتبادلة التي عثر عليها بحسابه على الهاتف مع حساب إسمه “لويس”، فيديوهات أرسلها محمد وكان يطلب دائماً مالاً ليقول “خدو مني اللي بدكن ياه”.
وكشفت الرسائل أنهم كانوا يتواصلون مرة واحدة أسبوعياً، إمّا باتصال أو عبر البريد الالكتروني، وواحدة من هذه الرسائل تضمنت أسئلة عن الدراجات التي يستخدمها عناصر الحزب، والحاجات اللوجيستية والعناصر المقاتلة بالمدفعية، ووحدة “ضد الدروع”، وكيف يتم الشراء من وحدات الحزب. وأجابهم محمد أن الحزب يعتمد على عدة دراجات، وأرسل لهم لائحة بأنواع الدراجات ودواعي استعمالها. ومن بينها دراجات مخصصة للتموضعات والمعسكرات وخطوط الإمداد والإسعاف، ودراجات مخصصة للهجوم على الجليل بعد أن تفتح وحدات الهندسة في الحزب ثغرات في الجدار الحدودي.
أرسل محمد صالح أسماء وأرقام هواتف قيادات وعناصر في الحزب. وتلقى في المقابل من مشغّله “لويس”، ما بين 17 شباط 2015 ولغاية توقيفه، عدة رسائل عبر البريد الاكتروني تتضمن الكثير من الأسئلة الشخصية جداً والاستبيانات لتكوين ملف عن شخصيته.
أقرّ المدعى عليه أنه أخذ مبالغ مالية بلغت 23 ألف دولار، وذكر أنه تسلم بعضها عبر ما يسمى “البريد الميت”، بعضها في العراق وبعضها لبنان، وتسلّم إحدى المرات المال من خلال محل بيع ملابس في منطقة الأشرفية حيث تركوا له هدية بها أموال. وفي مرة أخرى تلقى دفعة مالية مودجودة داخل قفل دراجة نارية مربوط على أحد الأعمدة في شارع الحمراء في بيروت.
واستلم صالح مبالغ عديدة عبر عملات مشفرة، وبحسب التحقيقات مبالغ كهذه لا يدفعها الاسرائيلي إلا مقابل معطيات حقيقية.
وذكر الموقوف للمحققين أنه عاد إلى لبنان خلال شهر كانون الأول سنة 2024، وقال إنه سافر إلى العراق بسبب مشاكل مالية، وزعم محمد أنه تحول لاحقاً إلى “عميل مزدوج”، أي يتواصل مع الاسرائيلي بتكليف من الحزب.
وقال صالح “سلموني لفرع المعلومات لتشوفو أنه قصتي متل قصة حسن عطية” (حسن عطية تواصل مع الجانب الاسرائيلي بعلم الحزب).
ادعى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية فادي عقيقي على محمد صالح بتهمة التعامل مع العدو، والتدخل بقتل اللبنانيين مقابل مبالغ مالية، وذكر بالادعاء أنه أعطى إحداثيات للعدو عن مراكز أمنيه لـ”حزب الله” تعرضت لاعتداءات اسرائيلية ما أدى إلى استشهاد لبنانيين ومسؤوليين من “حزب الله”.
والد محمد هو أحد كوادر “حزب الله” وكان من الرعيل القديم في الحزب، ومحمد ليس له أخ شهيد، لكنه مقرب جداً من أبناء عدد من مسؤولين في “حزب الله”، منهم القيادي بالمقاومة حسن بدير الذي اغتيل بغارة مع نجله قبل أسابيع في حي ماضي.
تجدر الاشارة إلى أن التحقيق لم ينتهِ بعد، ومن المتفرض أن تتكشّف المزيد من الحقائق.













