أتاح العلماء إمكانية النظر لأول مرة لما أسموه “العملاق الجميل” الرابض في قلب مجرة “درب التبانة”، ونشروا صورة لثقب أسود ذي كتلة هائلة يلتهم أي مادة تدخل في نطاق جاذبيته.
والثقب الأسود المسمى “ساغيتارياس إيه” هو ثاني ثقب أسود يتم تصويره على الإطلاق.
والثقوب السوداء هي أجسام ذات كثافة غير عادية لها جاذبية هائلة لدرجة أنه لا يمكن حتى للضوء أن يفلت منها، مما يجعل مشاهدتها صعبة للغاية. لكن يمكن ملاحظة المادة التي تدور حوله قبل ابتلاعها.
وتم إنجاز هذا العمل الفريد من خلال آلية التعاون الدولي نفسها، التي اعتمدت على التلسكوب “إيفنت هوريزون” والتقطت في 2019 أول صورة على الإطلاق لثقب أسود في قلب مجرة أخرى.
ونشر موقع “إيفنت هوريزون سكوب” في “تويتر”: “أخيراً لدينا أول نظرة على ثقب أسود داخل مجرة درب التبانة (ساغيتارياس إيه). إنه فجر عصر جديد لفيزياء الثقوب السوداء”.
وأعلن مدير مشروع “اي اتش تي” هويب يان فان لانغيفيلدي، خلال مؤتمر صحفي في مدينة غارشينغ الألمانية: “يمكنني أن أريكم صورة الثقب الأسود ساغيتاريوس ايه وسط المجرة”.

وتظهر الصورة المعروضة بشكلٍ دقيق الوسط المحيط بالثقب الأسود الهائل الحجم، لأن الأجسام نفسها غير مرئية بطبيعتها. وأمكن التقاط الصورة عبر عمليات رصد عن طريق ما يعرف بـ “تليسكوب أفق الحدث”، وهو عبارة عن شبكة من ثمانية أجهزة تليسكوب لاسلكية في أربع قارات، وهي تشكّل معاً نوعاً من المقراب أو التليسكوب الفائق.
وأشادت عالمة الفلك في جامعة أريزونا، فريال أوزيل، في مؤتمرٍ صحفي في واشنطن، بما أطلقت عليه “أول صورة مباشرة للعملاق الجميل وسط مجرتنا”، تظهر فيها حلقة متوهجة بالألوان الأحمر، الأصفر والأبيض حول مركز أشدّ ظلاماً وقتامة.
وتزيد كتلة الثقب الأسود عن كتلة الشمس بمقدار 4 ملايين مثل، ويقع على بعد 26000 سنة ضوئية أي 9.5 تريليون كيلومتر من الأرض.
وأوضحت سارة إيسسون، من مركز هارفرد للفيزياء الفلكية: “لدينا دليل مباشر على أن هذا الجسم عبارة عن ثقب أسود”، موصّفةً “سحابة الغاز (حول الثقب الأسود) التي تنبعث منها موجات الراديو والتي لاحظناها”.
وقال جيفري باور، العالم في مشروع “اي اتش تي” من معهد “أكاديميا سينيكا” التايوانية: “لقد حسنت هذه الملاحظات غير المسبوقة بشكل كبير فهمنا لما يحدث في مركز مجرتنا”.
وشارك معهد ماكس ـ بلانك لعلم الفلك اللاسلكي في مدينة بون، غرب ألمانيا، بشكلٍ كبيرٍ في مشروع شبكة “مقراب أفق الحدث”. وقدّم الباحثون نتائج أعمال الرصد التي قاموا بها في إصدار خاص من دورية “استروفيزيكال جورنال ليترز”.
وتكون الثقوب السوداء نجمية عندما يكون لها كتلة توازي بضع شموس، أو ضخمة للغاية عندما يكون لها كتلة من ملايين أو حتى مليارات الشموس.
والصورة التي حصل عليها الفريق إثر جهود أكثر من 300 باحث في 80 دولة على مدى خمس سنوات، هي نتيجة تجميع صور كثيرة عن الثقب الهائل في مركز المجرة.
ويتوق العلماء حاليا إلى مقارنة الثقبين الأسودين لاختبار النظريات حول كيفية تصرف الغازات حولهما، وهي ظاهرة غير مفهومة جيدا يُعتقد أنها تلعب دورا في تكوين النجوم والمجرات الجديدة.
ومن شأن استكشاف الثقوب السوداء، على وجه الخصوص مراكزها الصغيرة والكثيفة بشكل غير محدود لدرجة تتعطل فيها معادلات أينشتاين، أن يساعد علماء الفيزياء على تعميق فهمهم للجاذبية وتطوير نظرية أكثر تقدما بشأنها.













