| جورج علم |
يبادر الرئيس نبيه برّي دائماً إلى تصويب البوصلة، وغالباً ما ينجح وفق ما تسعفه الظروف والحسابات، المحليّة والإقليميّة والدوليّة.
كلامه عن السلاح يمكن تبسيطه وفق الآتي: السلاح يعني إستمرار المقاومة، وإستمرار المقاومة يعني إستمرار “حزب الله”، وإستمرار الحزب يعني إستمرار الطائفة الشيعة موحّدة، وعلى حضور قويّ متماسك، وهذا ما يشكّل له رصيداً شعبيّاً.
للوهلة الأولى، فُسّر كلامه على أنه ردّ على موقف رئاسة الجمهوريّة والحكومة حول حصريّة السلاح. لكن عند النظر في التوقيت، وحجم المتغيّرات، يبدو أن ما أعلنه يتخطى المقاربات المحليّة إلى المستجدات الإقليميّة ـ الدوليّة التي بدأت تفرض نفسها كأمر واقع، وأولها إنقلاب الإدارة الأميركيّة الحالية على غالبية القرارات والسياسات الخارجيّة التي اعتمدتها الإدارة السابقة، والتي طالت بعض شظايها لبنان.
يكفي التذكير بأن الموفد الأميركي في عهد الرئيس جو بايدن، آموس هوكشتاين، هو الذي هندس وقف إطلاق النار بين بيروت وتل أبيب، وتعهّد بالعمل على وضعه موضع التنفيذ. وإذ بالموفدة الأميركية في عهد الرئيس دونالد ترامب مورغان أورتاغوس قد تجاوزت هذا الإتفاق، ولم تمارس أي ضغط على الجهة المعرقلة لوضعه موضع التنفيذ، وجلّ ما قامت به هو تبنيّها المطالب الإسرائيليّة، والضغط على المسؤولين في بيروت للأخذ بها، والسعي إلى تنفيذها…
وكان هوكشتاين قد إعتمد الدبلوماسيّة المكوكيّة بين بيروت وتل أبيب كوسيلة ناجحة أدت أولاً إلى تفاهم حول ترسيم الحدود البحريّة في الجنوب بموافقة جميع الأطراف المعنيّة. كما أدت الدبلوماسيّة المكوكيّة إلى التفاهم على إتفاق وقف إطلاق النار. في حين أن أورتاغوس قد تنقلت ما بين بيروت وتل أبيب، لكنها رفضت القيام بدبلوماسيّة مكوكيّة لوضع الإتفاق موضع التنفيذ، وجلّ ما قامت به، أو ارتضته، هو أن تتحول إلى ساعي بريد ينقل المطالب الإسرائيليّة، فيما تكتفي بممارسة الضغط على المسؤولين للقبول بها، كشروط مسبقة لوقف إطلاق النار.
كان هوكشتاين دبلوماسيّاً مبادراً، صاحب أفكار بناءة، ويملك حلولاً ومخارج للأزمات التي كانت تعترض طريقه للوصول إلى الأهداف المرجوة. في حين أن أورتاغوس تفتقر إلى روح المبادرة، وتقوم بدور الموظف الإداري التقليدي، من دون أيّ سعي لتدوير الزوايا الحادة، وهذا التصرف لا يشير إلى نقص في مؤهلاتها بقدر ما يشير إلى المدرسة الدبلوماسيّة التي تنتمي إليها إدارة ترامب، والقائمة على التسلّط، والفوقيّة، وإملاء الشروط، وفرض العقوبات إذا كانت هناك معارضة، أو عدم إمتثال للإملاءات.
إن هذا النهج الإنقلابي الذي إعتمدته الإدارة الأميركيّة الحالية على الإدارة السابقة، قد جعلت من قرار وقف إطلاق النار مجرّد شعار، لأن ما يجري تحت معطفه خطير، ويشكّل نهجاً هدفه إضعاف السيادة، وإستباحة المحظورات.
كان الكلام الأول يدور حول نزع سلاح الحزب كشرط مسبق لإنسحاب إسرائيل من النقاط التي تحتلها، ووقف إعتداءاتها. الآن تغيّر الخطاب، وأصبح همّ واشنطن، ممثلة بأورتاغوس، والحكومة الإسرائيليّة، فكّ إرتباط “حزب الله” بإيران، عقيدة ونهجاً وعلاقات ومساعدات وتحالفات، ليصار إلى إعادة النظر، والعمل على وقف النار، وتطبيق القرار 1701.
يحاول الرئيس بري تصويب البوصلة، لأن ما يجري تخطّى، وبمسافات بعيدة، المحفظة اللبنانية، وما تحويه من علاج للوضع الجنوبي الذي يخضع يوميّاً لعميلة جراحيّة إستنزافيّة تطبيعيّة:
أولاً: إن ما يجري ميدانيّاً يحاكي واقعاً جديداً على طول الحدود الفاصلة مع فلسطين المحتلة. هناك المطامع الإسرائيليّة بدأت تأخذ طريقها نحو التنفيذ على الأرض، من دون أن تكون هناك أيّ مبادرة، أقله من قوات “اليونيفيل”، للتصدّي لها وردعها.
مَن في حكومة الإحتلال يتحدث اليوم عن وقف لإطلاق النار، أو عن إنسحاب من الجنوب؟ في حين أن هناك المزيد من الأصوات التي ترتفع في صفوف الموالاة والمعارضة، تطالب بإستحداث منطقة عازلة، وتوسيع مستعمرات الشمال على شريط حدودي آمن داخل لبنان!
ثانياً: مسألة إعمار ما تهدم.
ليس من أميركي يتحدّث اليوم عن إعادة الإعمار، ولا مسؤول من الكيان الغاصب. والذين يتحدثون في هذا المضمار إنما يركّزون على شروط يفترض تحقيقها، أولها الأمن والإستقرار، والضمانات التي يفترض أن تقدّم إلى تل ابيب لترفع “الفيتو” الذي تفرضه راهناً على سياسة إعادة بناء وترميم ما هدمته إعتداءاتها من منازل ومدارس، ومؤسسات، وبنى تحتيّة…
وتبقى مسألة الضمانات مطّاطة، بعضها قد يكون ممكناً، فيما البعض الآخر مرفوضاً بالمطلق، أو ـ بكلام أكثر صراحة ـ لا مصلحة للبنان، ولا قدرة له على الأخذ بها وتنفيذها.
ثالثاً: تراجع همّة الدعم الدولي للبنان، نتيجة الحرب الإقتصادية التي يشنّها الرئيس دونالد ترامب من خلال زيادة الرسوم الجمركيّة، حيث راحت كلّ دولة تبحث مدى إنعكاساتها وتداعياتها، وتسعى إلى حماية مصالحها بالدرجة الأولى.
حتى “الخماسيّة” العربيّة ـ الدوليّة، قد خفُت وهجها، وخفّ بريقها، بعد إنتخاب جوزاف عون رئيساً للجمهوريّة، وتشكيل حكومة جديدة برئاسة نواف سلام.
لقد تقدّم النفوذ الأميركي على بقية الآخرين. لكن المسار الذي يعتمده الرئيس برّي لتصويب بوصلة المركب اللبناني، يأخذ بقدر كبير من الإهتمام ضرورة تفعيل دور الخماسيّة، وتحديداً الرعاية الفرنسيّة ـ السعوديّة ـ المصريّة ـ القطريّة، نظراً لما لشبكة المصالح من تأثير على مجريات الأمور، خصوصاً لجهة التركيز على ضرورة إحترام وقف إطلاق النار، ووضع القرار 1701 موضع التنفيذ.
إن لبنان ـ مع الأسف الكبير – الذي إعتاد على الوصاية الخارجيّة، هو بحاجة اليوم إلى نوعيّة متفهّمة لهواجسه، وداعمة لسيادته وإستقلاله، وليس لوصاية جائرة، طامعة، ومتسلّطة…













