| جورج علم |
ترحيل الفلسطينييّن عن غزّة ـ إن حصل ـ يعني ترحيل لكل المعادلات السابقة… فما الجديد؟
العين الأميركيّة ـ الإسرائيليّة على سوريا، كما يتردّد في كواليس دبلوماسيّة مغلقة.
لماذا؟
أولاً: لأن المستفيد الأول من سقوط النظام، كان بنيامين نتنياهو، وحكومته، واليمين الأصولي المتطرّف. والدليل أن جيش الإحتلال تحرّك على وجه السرعة في هضبة الجولان، وتوسّع، وقضم المزيد من الأراضي السوريّة، ووصل إلى مشارف دمشق، ودخل العاصمة بمخابراته، ودمّر بسلاحه الجوّي العديد من الثكنات، والمواقع العسكريّة، ومراكز الأبحاث، وتمادى في بسط نفوذه من خلال تفوّقه الجوّي في قصف مواقع بعيدة في العمق السوري. ويتحدّث راهناً بمنطق فوقي، من مفرداته أنه صاحب اليد الطولى، والكلمة المسموعة، ولم تعد “الجغرافيا السوريّة” حكراً على التركي، والروسي، والإيراني، بعدما أصبح الإسرائيلي يشكّل ثقلاً نوعيّاً في الميدان!
ثانيّاً: إن التحوّل الذي حصل، إن لجهة مغادرة النظام على متن طائرة روسيّة إلى موسكو، أو دخول “هيئة تحرير الشام” إلى العاصمة دمشق على متن “بيك أب” مسلّح، لم يكن وليد الصدفة، بقدر ما كان وليد الغرف السريّة، وحسابات الأجهزة، ومراكز القرار، سواء في واشنطن أو في عواصم إقليميّة ودوليّة. كان المطلوب دكّ الحصون، وهدم الجدران، وإزالة العوائق، وفتح المدى السوري المغلق أمام أشعة الشمس، ورياح التغيير.
ويبقى السؤال: أي تغييّر؟ وفي أي اتجاه؟ وما الكلفة والهدف؟
ثالثاً: إن رفع العقوبات الأميركيّة عن سوريا بدأ يستحوذ على قدر من الإهتمام، سواء لدى إدارة ترامب أو لدى دوائر الكونغرس، وهذا يشكّل بداية تحوّل في الموقف الأميركي تجاه سوريا. إلاّ أن الحسابات التي تجري لم تنته إلى خلاصات نهائية بعد، لا لجهة تحديد الأولويات، ولا لجهة تقييم المكاسب، والمصالح. وبالتالي لا يمكن للإدارة الأميركيّة الجديدة أن تعطي مجاناً، وأن تتخلّى عن أوراق الضغط التي تملكها من دون أي مقابل. وقد وردت إشارات في بعض وسائل الإعلام الأميركيّة توحي بأن توافقاً قد تم خلال محادثات نتنياهو في واشنطن، حول أن تكون العين مسلطة على المساحات الشاسعة في الريف السوري، لإحتواء مجمّع سكني يمكن أن يشكّل حاضنة إيوائيّة مرحليّة للغزّاويّين، بانتظار تنظيف القطاع من الركام، وتأهيله لمرحلة إعادة البناء والإعمار.
رابعاً: إن مقاربة ملف النازحين السوريين، سواء في لبنان أو الأردن أو تركيا أو لدى دول الإتحاد الأوروبي، بدت مختلفة في الآونة الأخيرة، وتستند إلى مواصفات جديدة، أشبه ما تكون بالمقايضات، كأن يثبَّت النازح السوري في الدولة المضيفة، ويندمج في المجتمع المضيف، مع منحه محفظة من التقديمات والضمانات، بينها تسهيل إجراءات الحصول على إجازة إقامة، وتوفير الوسائل المسهّلة للإندماج، كالمسكن والمدرسة وفرص العمل، وغيرها من المحفّزات التي توفّر العيش الكريم الهانئ، والاستقرار الأمني ـ الإجتماعي ـ المعيشي، مقابل توفير هذا النوع من التسهيلات للغزّاويّين في الداخل السوري، من دون إعتراضات أو مضايقات.
والمعادلة هذه، مقبولة حسابيّاً إلى حدّ ما، بمعنى أن هناك ملايين النازحين السورييّن المنتشرين، يندمجون في الخارج، مقابل احتمالية استيعاب أقل من مليوني مواطن فلسطيني، يندمجون في المجتمع السوري!
خامساً: إن الدول العربية إتفقت في ما بينها على قول “لا” قويّة للرئيس ترامب، ومقترحه القائل بتهجير الغزّاويّين من أرضهم، ووضع اليد على القطاع بهدف تحويله إلى “ريفييرا الشرق الأوسط”، لكنها لم تتفق بعد على سبل المواجهة. هل ستتلاقى على تفعيل القنوات الدبلوماسيّة مع الإدارة الأميركيّة للحدّ من جموحها، والعودة عن قرارها؟ أم تذهب إلى اعتماد استراتيجيّة واضحة من خلال قمّة عربية تعقد استثنائيّا، وتترجم من خلالها الأقوال بالأفعال؟
حتى الآن، يقتصر الأمر على المزيد من التنسيق والتشاور حول الخطوة المقبلة، مع الإشارة إلى الدور المصري ـ الأردني المتمايز، كون الدولتين مستهدفتين مباشرة وفق المقترح “الترامبي”، مع إصرار خليجي واضح على “حل الدولتين”، تتقدّمه المملكة العربيّة السعوديّة.
– ماذا عن لبنان؟
ما يصيب سوريا، يصيبه، وأي “ترانسفير” جديد ستكون له تداعيات. يكفي ما يصيب القضيّة الفلسطينيّة من تنكيل بحقوقها، ومشروعيتها، وما يحيط بحاضرها ومستقبلها من التباس، كي تتجه الأنظار إلى واقع المخيمات في لبنان، ومستقبلها، في ظلّ القضم المستمر اللاحق بحق العودة، والنظريات “الترامبيّة” الجديدة التي تحاكي حالة انقلابيّة على القرارات الصادرة عن مجلس الأمن الدولي والجمعيّة العامة للأمم المتحدة، والتي تنادي بحق الدولتين!
وواقع الحال، إن لبنان، الرسمي والشعبي، يقف في صفّ عربي طويل أمام أسئلة مصيريّة ثلاثة:
• كيف ستواجه الدول العربيّة “الجائحة” الأميركيّة، بعدما أعلن دونالد ترامب أنه اتفق مع بنيامين نتنياهو على أن يسلمه القطاع خالياً من أهله؟
• هل سيفجّر “الترانسفير” الجديد ـ إذا ما حصل ـ أنظمة الاعتدال في الشرق الأوسط، ويفسح المجال أمام عودة التطرف، وإحياء عصر المنظمات المتطرفة تحت شعار نصرة فلسطين، والقضيّة الفلسطينيّة؟
• وما هو الموقف الدولي مّما يجري، خصوصاً الدول صاحبة المصالح الكبرى في المنطقة، وفي الطليعة الصين وروسيا وإيران ودول الاتحاد الأوروبي؟
يقال إن في الولايات المتحدة ظاهرة غير قابلة للاستمرار.. وإذا ما استمرت غير قابلة للتعايش مع الأصدقاء.. قبل الأعداء!














