أسباب “خفيّة” لارتفاع “الدولار”!

/محمد حمية/

تحوّل سعر صرف الدولار إلى سلاح سياسي واقتصادي فتاك، يجري استخدامه في الحرب الدائرة على أكثر من محور وجبهة، منذ اندلاع الأزمة السياسية والمالية والنقدية غداة أحداث 17 تشرين 2019، بهدف تصفية الحسابات السياسية.

يكفي تتبع ومراقبة مسار تدرج أسعار سعر صرف الدولار خلال العامين الماضيين، ليظهر أن السعر يتبدل ويتغير على إيقاع الأحداث والتطورات السياسية الداخلية والخارجية.

لكن سعر الصرف استقر عند حدود 20 ألف ليرة للدولار الواحد بعد تأليف الحكومة الحالية وبدء مهامها.. إلا أنه سرعان ما عاد ليرتفع إلى حدود كبيرة، لتعود الحكومة وتلجمه، بعد ضغوط مارستها على حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، لضبط سعر الصرف في كانون الثاني الماضي، عبر سلسلة تعاميم أبرزها التعميم 161.

مُذّذلك الحين، حافظ سعر الصرف على استقراره فترة شهرين، ليعود ويسجل ارتفاعاً جديداً، بعدما فتحت القاضية غادة عون النار القضائية على عدد من كبار المصارف اللبنانية ورؤساء مجالس إداراتها، وعلى حاكم مصرف لبنان وتوقيف شقيقه رجا سلامة.

وبعد ذلك انخفض سعر الصرف بعد تدخل رئيس الحكومة شخصيا مع مجلس القضاء الأعلى ومدعي العام التمييز القاضي غسان عويدات وتدخلات سياسية أخرى للجم اندفاعة القاضية عون، لكن اللافت هو عودة سعر الصرف للإرتفاع ليلامس الـ28 ألف ليرة لبنانية بالتزامن مع حدثين خلال أسبوع واحد:

– الأول سقوط قانون “الكابيتال كونترول” في اللجان النيابية المشتركة وتسريب خطة الحكومة للتعافي المالي وحملة الانتقادات التي طالتها لا سيما بند شطب 60 مليار دولار من ديون مصرف لبنان من المصارف، اضافة الى طريقة توزيع خسائر الفجوة المالية التي تحمل المودعين الخسارة الأكبر

*الثاني: فشل التدخلات السياسية لإخلاء سبيل رجا سلامة وإن نجح فريق الدفاع عنه والضغوط السياسية على القضاء بتخفيض قيمة الكفالة من 500 مليار الى 200 مليار ليرة، وكذلك إصدار مذكرة بحث وتحري بحق الحاكم سلامة.

فما هي الأسباب الخفية الكامنة خلف هذا الارتفاع المفاجئ والسريع بسعر الصرف من 23 ألفاً الى 28 خلال يومين فقط؟

خبراء ماليون واقتصاديون مطلعون على حركة “الدولار”، يشيرون إلى أن عوامل عدة تتحكم بأسعار الصرف، ولا يمكن الركون الى عامل واحد.. فهناك عوامل مالية واقتصادية بالتأكيد، لكن تبقى الاعتبارات السياسية تملك التأثير الأكبر.

ويرى الخبراء أن تحديد العامل الأساس، يتطلب كشف الجهات السياسية والمالية المتحكمة بالسياسة المالية والنقدية.. اللاعبون في “ملعب الدولار” كُثر، ويتوزعون بين لاعبين محليين وآخرين في الخارج يديرون اللعبة عن بعد عبر تطبيقات الكترونية غير معروفة المصدر والمكان، لكن “مايسترو المسرح” هو حاكم “امبراطورية” مصرف لبنان بلا منازع، بالتكافل والتضامن مع قطاع المصارف الذين يملكون أدوات التأثير في سعر الصرف، ويليهم شركات الصيرفة الكبرى وكبار الصرافين والتجار والمستوردين الذين يستغلون تحرك الدولار للمضاربة والاحتكار وتحقيق الأرباح.

ويشير الخبراء إلى علاقة هذا الارتفاع في سعر الدولار بالانتخابات النيابية، لسببين:

اشتداد حدة التنافس بين المرشحين، بعد إعلان اللوائح وتأكيد حصول الانتخابات النيابية في موعدها المحدد في 15 أيار، ما يزيد حاجة المرشحين لشراء الأصوات، بعدما كشفت مراكز الدراسات والاحصاءات برودة الرأي العام والناخبين تجاه الانتخابات، وتوقعات بتراجع نسبة الاقتراع، ما أدى الى ارتفاع الطلب على الدولار.

وبالتوازي يلفت الخبراء إلى أن رفع سعر صرف الدولار مقصود بطلب من السياسيين، لتغطية نفقاتهم الانتخابية.

لكن بحسب خبراء آخرين هذا لا يشكل سوى نسبة ضئيلة من التأثير على سعر الصرف، والأمر مترتبط بتعثر الحكومة والمجلس النيابي في إقرار القوانين الاصلاحية خاصة “الكابيتال كونترول”، وظهور الخلاف حول خطة التعافي الى العلن، كما يرتبط بتصعيد الحرب القضائية على “الحاكم” وشقيقه رجا سلامة والمصارف.

وتتهم مصادر سياسية الحاكم رياض سلامة بأنه “يستخدم ورقة الدولار لتخفيف الضغط القضائي الذي اشتد عليه مؤخرًا وعلى شقيقه، وقد بادر إلى توسيط جهات سياسية وحكومية ومالية عدة، لإيجاد تسوية قضائية ـ مالية لملفاته، ولإخلاء سبيل شقيقه رجا. لكن الوساطات وصلت إلى طريق مسدود.. ولم يبق له سوى سلاح الدولار. وثمة من يقول إن المصارف تضغط بسلاح الدولار أيضاً ردًا على تحميلها الجزء الأكبر من الخسائر في خطة التعافي، وعبر الاتفاق المبدئي مع صندوق النقد الدولي على شطب 60 مليار دولار ديون “المركزي” من المصارف.

ولا يمكن إغفال العامل السياسي بوجهيه:

الضغط على الناخبين قبل الانتخابات النيابية للتأثير في توجهاتهم، حيث يجري تشديد الضغط الاقتصادي على المواطنين ودفعهم لكي يحملوا “حزب الله” مسؤولية الانهيارات والظروف الاقتصادية القاسية، وبالتالي يحجموا عن انتخاب لوائح تحالف “حزب الله” ـ “أمل” و”التيار الوطني الحر” لصالح اللوائح المدعومة من السعودية والأميركيين، والإيحاء بقدرتهم على تحقيق الانفراج الاقتصادي في حال فوزهم بالأكثرية النيابية. وقد طرح هذه المعادلة صراحة رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع منذ أشهر قليلة عندما قال: “انتخبوا القوات بينزل الدولار”!

في المقابل تحذر أوساط سياسية من خطة أميركية ـ سعودية لتطيير الانتخابات النيابية، بعدما تبين عجز فريقهم السياسي عن حصد الأكثرية النيابية ولا حتى ثلث المجلس، وذلك عبر افتعال سلسلة أحداث دراماتيكية تبدأ برفع سعر الصرف الى ما فوق 40 ألف ليرة، ما يخلق أزمات عدة دفعة واحدة، من ارتفاع غير مسبوق بأسعار المحروقات والمواد الغذائية إلى أزمة كهرباء، ما يولد انفجاراً شعبياً في الشارع، وبالتالي يتعذر اجراء الانتخابات في ظل ظروف كهذه.

ويتوقع الخبراء الاقتصاديون ارتفاع سعر الصرف في كل الاحوال الى ما فوق ال40 ألف بعد الانتخابات.