هل تستطيع تركيا والإمارات حلّ أزمة الشرعية في ليبيا؟

Trends Research & Advisory

بين فيشمان (*)

سيكون التوصل إلى حل وسط زمني للانتخابات أمراً حساساً، لكن تحسن العلاقات مؤخراً بين أنقرة وأبو ظبي يزيل عائقاً خارجياً كبيراً أمام إحراز تقدم.

بعد مرور 11 عاماً على اندلاع الثورة الليبية، يبدو أن البلاد عالقة في أصعب حالة جمود تواجهها في سعيها لإنهاء دوامة الحروب الأهلية والانقسامات السياسية التي قوّضت الآفاق الديمقراطية التي رسمها القادة الجريئون لانتفاضة عام 2011. وتكمن عدة أسباب وراء هذه الأزمة الشاملة، وهي: تلاعُب طبقة جديدة من النخبة بثروة البلاد، وانتشار الجماعات المسلحة وعدم القدرة على إجراء إصلاحات مفيدة في القطاع الأمني خلال العقد الماضي، والتدخل السياسي والعسكري السافر في شؤون ليبيا من قِبل الجهات الخارجية، بما في ذلك استمرار انتشار آلاف القوات الأجنبية والمرتزقة ضمن حدودها، وأخيراً عجز الليبيين أنفسهم عن التوصل إلى حل وسط بشأن مسارٍ جديد للمرحلة القادمة.

ولا يبشر الوضع الراهن بالخير بعد إرجاء الانتخابات التي كانت مزمعة في كانون الأول/ديسمبر 2021 إلى أجلٍ غير محدد. كما أن تعيين رئيس وزراء منافس في 10 شباط/فبراير يهدد بتقسيم البلاد مرةً أخرى، أو أسوأ من ذلك، إشعال فتيل جولة أخرى من أعمال العنف. لكن هناك بعض الجوانب المشرقة التي تدعو إلى الأمل. فتجدد مساعي “المستشارة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة بشأن ليبيا” ستيفاني ويليامز قد يسفر عن وضع جدول زمني جديد للانتخابات إذا حظيت بالدعم المناسب من قبل غالبية الدول التي لديها مصالح في ليبيا. ويُعتبر تحسُّن العلاقات بين الإمارات العربية المتحدة وتركيا، اللتين كانتا تدعمان طرفين متضادين خلال الحرب الأهلية الليبية بين عاميْ 2019 و 2020، تحولاً مهماً أيضاً في ديناميكيات المنطقة التي تؤثر على استقرار ليبيا. ففي ظل هذا التوافق الإقليمي المتجدد، قد يتمكن الليبيون من التوصل إلى توافق في الآراء لإجراء انتخابات جديدة بناءً على أساس دستوري متفق عليه – وهي إحدى القضايا الرئيسية التي حالت دون إجراء الانتخابات في عام 2021.

من الحرب إلى محاولة الانتخابات

حال انسحاب اللواء خليفة حفتر و”الجيش الوطني الليبي” من طرابلس في حزيران/يونيو 2020، في خطوةٍ أنهت بشكلٍ فعلي حرباً أهلية فتاكة أخرى، تركزت جهود الليبيين على الحفاظ على سلامٍ هش ووضع عملية سياسية أخرى من شأنها توحيد البلاد وإقامة حكومة شرعية.

والجدير بالملاحظة أن حفتر خرّب خطة “الممثل الخاص للأمم المتحدة في ليبيا” آنذاك غسان سلامة لعقد مؤتمر وطني بهدف وضع إطار عمل متّفق عليه للدفع بالمرحلة الانتقالية قدماً، حين شنّ هجومه قبل أيام من موعد انطلاق الفعالية. ولزيادة الطين بلةً، كان الأمين العام للأمم المتحدة بنفسه أنطونيو غوتيريش متواجداً في ليبيا للمساهمة في تسهيل عقد المؤتمر، حتى أنه ذهب إلى مقر حفتر للقائه ومناشدته بإحلال السلام، وهو ما رفضه الأخير. ومع ذلك، أخطأ حفتر في تقدير الدعم الذي يحظى به في غرب البلاد، حيث واجه مقاومةً شديدة من مجموعة من الجماعات المتحالفة. وتلا ذلك جمود طويل الأمد إلى أن هدد ازدياد عدد القوات الأجنبية الداعمة لحفتر، بما فيها “مرتزقة فاغنر” الروسية بقلب ميزان القوى. وفي تلك المرحلة، استجابت تركيا لمناشدات “حكومة الوفاق الوطني” بالمساعدة وأرسلت طائرات مسيّرة وأنظمة مضادة للطائرات ومقاتلين في أوائل عام 2020، مما أرغم في نهاية المطاف حفتر وداعميه من الإمارات وروسيا ودول أخرى على التراجع إلى وسط ليبيا. وتمّ رسم خط وقف إطلاق نار غير رسمي في حزيران/يونيو ومُنح طابعاً رسمياً في تشرين الأول/أكتوبر 2020.

بعد ذلك، تمحورت مسألة تجدد العملية السياسية حول كيفية طي صفحة سنوات من المفاوضات العقيمة بين حفتر ورئيس الوزراء في “حكومة الوفاق الوطني” فايز السراج. كما افتقر “مجلس النواب” التشريعي و”المجلس الأعلى للدولة” الذي هو مجلس استشاري، المتمخضيْن عن “الاتفاق السياسي الليبي” لعام 2015 إلى الشرعية والصلاحية بسبب فترة بقائهما في الحكم وصلاحياتهما المشكوك فيها. وفي ظل مواصلة “بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا “مساعي التركيز على اتفاق سياسي يكون تصاعدياً وليس تنازلياً على مستوى القيادة، عملت “البعثة” على إقامة “ملتقى الحوار السياسي الليبي” الذي كانت مهمته وضع خارطة طريق انتقالية جديدة. وأسفرت هذه المساعي عن تحديد موعد للانتخابات الرئاسية والبرلمانية في 24 كانون الأول/ديسمبر 2021، وانتخاب حكومة انتقالية جديدة، ومحاولة توفير أساس دستوري أو قانوني لإجراء انتخابات 24 كانون الأول/ديسمبر. وبعد انتخاب عبد الحميد الدبيبة رئيساً للوزراء ومحمد المنفي رئيساً للمجلس الرئاسي الليبي في شباط/فبراير 2021 (اللذين هزما وزير الداخلية السابق فتحي باشاغا ورئيس “مجلس النواب” عقيلة صالح)، تعثر عمل “ملتقى الحوار السياسي الليبي” وسط تقارير عن شراء الدبيبة الأصوات وانتقال قيادة “بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا “إلى يان كوبيش الذي لم يكن متحمساً لاستمرار عمل “الملتقى”. ولم تتمكن اللجنة القانونية التابعة لـ “الملتقى” من وضع أساس دستوري للانتخابات، وبالتالي لم تنجح في تحقيق هدفه الرئيسي المتمثل في تمهيد الطريق لإجراء انتخابات متفق عليها بشكل متبادل.

وفي ظل غياب أساسٍ قانوني متفق عليه صادر عن “ملتقى الحوار السياسي الليبي”، قام صالح بصياغة وإقرار قانون انتخابي وافق عليه كوبيش في أيلول/سبتمبر، على الرغم من الأسئلة الإجرائية والتوافق ضمن “مجلس النواب”. وكان القانون ليأسس نظاماً رئاسياً قوياً، بما في ذلك السلطة على الجيش، وهو أمر لطالما سعى حفتر إلى تحقيقه على المدى الطويل. وتضمنت الأحكام الفنية للقانون قيوداً قليلة على المرشحين المحتملين، ولا سيما أولئك الذين قد يكونون متورطين بنشاط غير شرعي أو حتى جرائم حرب، مما سمح لـ سيف الإسلام القذافي، المطلوب من “المحكمة الجنائية الدولية” بسبب ضلوعه في ثورة عام 2011، بدخول السباق.

وعلى الرغم من صعوبة تنظيم انتخابات وطنية في غضون ثلاثة أشهر، كان يمكن على الأرجح لـ “المفوضية الوطنية العليا للانتخابات” تحقيق ذلك من خلال مبادئ توجيهية واضحة حول أهلية المرشحين. ومع ذلك، عندما تم تسجيل ما يقرب من 100 مرشح لخوض المعركة الرئاسية والآلاف للمقاعد النيابية، أصبح من الواضح أنه يجب تأجيل الانتخابات، فالوقت لم يكن يكفي حتى للنظر في أهليتهم. وبرز جدالٌ كبير حول أهلية كل من المرشحين الأربعة الأوفر حظاً، وهم الإسلام وحفتر والدبيبة – الذي تعهد بعدم الترشح عندما تم تعيينه رئيساً للوزراء – وباشاغا. ولم يكونوا قادرين حتى على تنظيم حملات انتخابية في كافة أرجاء البلاد. وحاولت “المفوضية الوطنية العليا للانتخابات” إحالة المسائل المتعلقة بالأهلية إلى القضاء، لكن نظراً إلى النظام القانوني المختل في ليبيا، لم يصدر أي حكم نهائي في هذا الشأن. ومع اقتراب يوم 24 كانون الأول/ديسمبر، أعاقت المشاكل الفنية واللوجستية – مثل طباعة أوراق الاقتراع مع عدم وجود قوائم نهائية للمرشحين – إجراء الانتخابات بشكل أساسي. ومع ذلك، لم يتحمل أي حزب مسؤولية التأخير، وأصرّت “المفوضية الوطنية العليا للانتخابات” على أن ما حصل كان قراراً سياسياً، لكن “مجلس النواب” رفض الإقرار بمسؤوليته. وفي نهاية المطاف، أتى يوم 24 كانون الأول/ديسمبر وذهب بأقل قدر من الاهتمام أو البيانات الرسمية.

وكان المجتمع الدولي، ولا سيما الولايات المتحدة وشركاؤها الأوروبيون، قد روّجوا خلال القسم الأكبر من عام 2021 إلى إجراء الانتخابات الرئاسية والنيابية في اليوم نفسه، أي في 24 كانون الأول/ديسمبر، كأولوية سياسية. وحتى أن المجموعة الملتئمة في مؤتمر دولي عُقد في باريس في موعد متأخر في 12 تشرين الثاني/نوفمبر لتنظيم الانتخابات، دعت “كافة الجهات المعنية الليبية إلى الالتزام بشكلٍ صريح بإجراء انتخابات رئاسية ونيابية حرة ونزيهة وشاملة وذات مصداقية في 24 كانون الأول/ديسمبر 2021 على النحو المنصوص عليه في خارطة الطريق السياسية الليبية”، رغم أن فرص حدوث ذلك أصبحت ضئيلةً للغاية بحلول ذلك الوقت. وأجمعت الولايات المتحدة وشركاؤها على أن إرجاء الانتخابات ينطوي على مخاطر أكبر من إجراء انتخابات غير كاملة، نظراً للسلطة المحدودة التي تتمتع بها “حكومة الوحدة الوطنية”، وخطر تجدد الحرب الأهلية بين الأحزاب الرئيسية، ومطالب السكان، حيث تم تسجيل 2.8 مليون شخص للتصويت. ومع ذلك، كان هناك بديل لم يحاول الحلفاء الغربيون اللجوء إليه. فما إن اتضح أن إجراء الانتخابات في 24 كانون الأول/ديسمبر بعيد المنال بسبب الخلافات القانونية والدستورية الكثيرة العالقة، كان يتعين عليهم العمل على وضع خارطة طريق بديلة وتحديد جدول زمني للانتخابات بناءً على قانون انتخابي منقّح ومتفق عليه. لكن ذلك لم يحدث أبداً، تاركاً فراغ شرعي آخر في 24 كانون الأول/ديسمبر.

ولحسن الحظ، لم يتبلور السيناريو الأسوأ بتجدد دوامة العنف، ويعزى ذلك جزئياً إلى عودة ستيفاني ويليامز إلى “بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا” بعد استقالة يان كوبيش بشكلٍ مفاجئ في كانون الأول/ديسمبر 2021. وقامت برحلات مكوكية بين الأحزاب الرئيسية للتوصل إلى توافق محدود لتجنب العنف وشجعت استئناف المفاوضات بشأن تحديد موعد جديد للانتخابات. وقد حالت دبلوماسية ويليامز على الأرجح دون اندلاع أزمة فورية لأن صالح وغيره من المعارضين لدبيبة كانوا يشددون منذ فترةٍ طويلة على أن شرعية “حكومة الوحدة الوطنية” ستنتهي في 25 كانون الأول/ديسمبر، أي بعد يوم من الانتخابات المزمعة. وأصرّت ويليامز على أن “ملتقى الحوار السياسي الليبي” الأصلي امتد 18 شهراً، وبالتالي وفر 6 أشهر إضافية لمعالجة المشاكل التي تمنع إجراء الانتخابات، مما يعيد ظاهرياً عقارب الساعة إلى صيف عام 2021 عندما كان يجب حل الأساس القانوني لإجراء الانتخابات.

المأزق الدستوري

على الرغم من أن صالح وحلفاءه لم يقطعوا العلاقات مع “حكومة الوحدة الوطنية” على الفور، فقد دعا “مجلس النواب” إلى الانعقاد في 10 شباط/فبراير وتمرير تعديل دستوري مكّن لجنة خارطة الطريق من وضع خطة انتقالية لإجراء الانتخابات، وربما إجراء استفتاء على مسودة دستور عام 2017 في غضون 14 شهراً، أي بحلول منتصف عام 2023. وشهدت جلسة “مجلس النواب” نفسها تصويتاً سريعاً لتعيين باشاغا خلفاً لدبيبة كرئيس لـ”حكومة الوحدة الوطنية”، مع منحه أسبوعين لتشكيل حكومة. وردّ المجتمع الدولي على التصويت ببعض التردد، نظراً لظروف التصويت وغياب الشفافية، لكنه اعتقد أن صالح كان يحظى بدعم بعض أعضاء “المجلس الأعلى للدولة” على الأقل. وصدر بيانه على لسان المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة والذي “يحيط علماً” باعتماد التعديل الدستوري و”تعيين” رئيس وزراء جديد، من دون تسمية باشاغا بالتشاور مع “المجلس الأعلى للدولة”. وفي بادئ الأمر، بدا أن باشاغا قادر على الإطاحة بالدبيبة عندما وصل إلى طرابلس عشية التصويت. لكن مع مرور الأيام، تمكّن الدبيبة من إحداث شرخ في “المجلس الأعلى للدولة”. فقد قام بتجنيد عرض مرئي للجماعات المسلحة لدعمه، واقترح نسخته الخاصة من جدول زمني يهدف إلى إجراء انتخابات جديدة بحلول حزيران/يونيو. وفي الأول من آذار/مارس اجتمع “مجلس النواب” من جديد ومنح الثقة للحكومة التي اقترحها باشاغا والمؤلفة من 30 وزيراً، لكن الشكوك المحيطة بالنصاب القانوني قوّضت الإجراءات مجدداً.

واعتباراً من أوائل آذار/مارس، برز سيناريوهان وجدولان زمنيان انتخابيان ودستوريان استناداً إلى خطة الدبيبة الممتدة على أربعة أشهر وتطلعات صالح على مدى 14 شهراً. ولا يزال يتعين توضيح ما إذا كان سيتم إجراء استفتاء حول مسودة دستور عام 2017 المثيرة للجدل، قبل تلك الانتخابات أو بعدها، من قبل أي من الجانبين، حيث يشكل كل منهما لجاناً للعمل على مزيد من التفاصيل. واقترحت “المستشارة الخاصة للأمم المتحدة” ستيفاني ويليامز مبادرة للتوسط لحل هذه المشاكل تضم ستة ممثلين عن كل طرف من “مجلس النواب” و”المجلس الأعلى للدولة”. والواضح أن ثقة الليبيين بقادتهم تتراجع أكثر فأكثر، كما أن هيئتين برلمانيتين أنشأتا بموجب “الاتفاق السياسي الليبي” لعام 2015 مددتا لفترة طويلة جدول عملهما الزمني المتوقع. ومع ذلك، فإن المفارقة هي أن هذه المؤسسات وقادتها مكلّفون بإيجاد بديل لنفسهم، وهو ما ليس لديهم حافز كبير للقيام به ما لم يضمنوا حظوظاً معقولة للفوز في الانتخابات.

والآن فإن أفضل مسار للمرحلة القادمة هو التوسط لوضع جدول زمني متفق عليه بين أربعة وأربعة عشر شهراً، دون إجراء استفتاء على دستور كامل، لأن ذلك من شأنه أن يسبب بتأخير الجدول الزمني إلى أجل غير مسمى. وبدلاً من ذلك، يجب أن يتمثل الهدف في وضع حد أدنى من الأساس الدستوري لإجراء الانتخابات، التي يجب أن تقام انطلاقاً من فكرة المسؤوليات التي تقع على عاتق الأفراد والهيئات المنتخبين. وبالتالي، يمكن في هذه المرحلة إيجاد وساطة فعالة بفضل ذوبان الجليد مؤخراً في العلاقات بين أنقرة وأبوظبي، اللتين كانتا على طرفي نقيض من النزاع خلال 2019-2020، لكنهما اليوم قادرتان على المساهمة في ضمان العملية الانتقالية في ليبيا.

ديناميات إقليمية جديدة

كما ذُكر أعلاه، كان التدخل الخارجي شبه الدائم من قبل الجهات الفاعلة التي أدت إلى تفاقم الخلافات المحلية على الصعيد السياسي والاقتصادي والعسكري من أبرز العوائق التي منعت العملية الانتقالية في ليبيا. فلا يمكن فعلياً استثناء أي دولة من هذه الديناميكية، وقد انتهك العديد منها بشكلٍ صارخ حظر الأسلحة الذي فرضته الأمم المتحدة اسمياً على ليبيا منذ عام 2011، كما هو موثق في عدة تقارير صدرت عن فريق خبراء الأمم المتحدة على مرّ السنين. فغالباً ما انقسم الأوروبيون بين فرنسا وإيطاليا، حيث دعمت فرنسا حفتر في أوقات مختلفة. أما دول المنطقة، فانقسمت بين الإمارات ومصر اللتين دعمتا عموماً حفتر والموالين له في الشرق من جهة، وتركيا وقطر اللتين دعمتا الغرب بدرجات متفاوتة على مر السنين من جهة أخرى. حتى أن الولايات المتحدة لعبت دوراً في تمكين النزاع عندما أشار البيت الأبيض في عهد الرئيس ترامب إلى أنه لن يعترض على هجوم حفتر على طرابلس في عام 2019. ويمثل تقارب العلاقات بين تركيا والإمارات، وزيارات ولي العهد الشيخ محمد بن زايد إلى أنقرة في تشرين الثاني/نوفمبر التي تلتها زيارة الرئيس رجب طيب أردوغان إلى أبوظبي في شباط/فبراير فرصةً لتوسيع الاتفاقات الاقتصادية والتجارية والدفاعية بين البلدين للمساعدة في تسهيل إحلال السلام بشكلٍ أكثر استدامةً في ليبيا. كما أنه سيمثل تحولاً مهماً في الأحداث بالمقارنة مع العامين السابقين حين كانت الدولتان تقفان على طرفي نقيض في النزاع الليبي.

وقد يبدو الاعتماد على الدولتين المتخاصمتين سابقاً، اللتين لا تحظيان بالثقة في أجزاء مختلفة من ليبيا وفقاً للجهة اللتين دعمتاها على الأرض، سيكون حافلاً بالتحديات. ومن المؤكد أن النزاع الليبي لم يكن الدافع وراء المصالحة التركية – الإماراتية، التي تنبع إلى حدّ كبير من الحاجات الاقتصادية لأردوغان وإعادة تقييم محمد بن زايد لمصالح الإمارات، في وضع حدّ للنزاعات في المنطقة. فهذه المصالح المتبادلة ونفوذ الطرفين على جهات فاعلة ليبية نافذة وجهات خارجية أخرى، مثل مصر، قد يجعلهما رسولين مفيدين إذا تعاونا مع الأمم المتحدة لدعم الوساطة على أساس خارطة طريق انتقالية متفق عليها.

ويمكن أن تبدأ تركيا والإمارات بالوفاء بمطلب اتفاق وقف إطلاق النار المبرم في تشرين الأول/أكتوبر 2021 وسحب قواتهما الخاصة وتلك التابعة لهما، رغم أنه لا بدّ من السماح باستمرار التدريب المشروع وأنشطة أخرى، مثل دعم إزالة الألغام. وبعد اتخاذ التدابير الخاصة بهما، يمكن لتركيا والإمارات أيضاً ممارسة الضغوط على روسيا لتحذو حذوهما وتسحب مرتزقتها. فبهذه الخطوات، من الممكن أن يتغيّر التدخل السابق في ليبيا لتسهيل إحراز التقدّم السياسي الضروري.


(*) بين فيشمان هو زميل أقدم في “برنامج جيدولد” في “معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى” ومدير سابق لشؤون شمال إفريقيا في “مجلس الأمن القومي” الأميركي.