“حماس” المنتصرة في الميدان ترغب بالتخلي عن السلطة؟

| رندلى جبور |

مع بدء الحديث عن مفاوضات جدّية لوضع حدّ للحرب البربرية على غزة، بدأت حركة “حماس”، التي خاضت طوفاناً ساهم في تغيير المجرى الاستراتيجي والسياسي ـ وحتى الاقتصادي للعالم، والتي ذهبت إليه منفردة، فيما اتجهت إلى المفاوضات مصطحبة معها باقي الفصائل، بدأت في التفكير في ما بعد الحرب. وبين هلالين، للذهاب وحيدة والعودة جماعة، دلالة هامة.

و”حماس” حتماً منتصرة، بمجرد أنها لم تنهزم. فوحده الصمود هو انتصار في حرب كان أحد أهدافها القضاء على المقاومة في غزة، التي لا تزال تمتلك حوالي أربعين كتيبة من ألف عسكري لكل منها، وبكامل الجهوزية. هذا عدا عن إعادة إحياء روح القضية الفلسطينية، وانتزاع اعتراف ضد وحشية الاحتلال الإسرائيلي في المحكمة الدولية، وكسب معظم الرأي العام العالمي والتعاطف الانساني، وضرب “إسرائيل” في قوّتها وعنجهيتها واقتصادها وقدراتها العسكرية والتقنية في الصميم، ومنعها من تحقيق أهداف الحرب، ما يضيف نقطة إلى كوب انتصارات المقاومة في كل المحور، وهزيمة الكيان المصطنع.

كما أن “حماس”، التي وضعت ضعف “إسرائيل” وتبدّل حالها تحت المجهر في فلسطين المحتلة، وضعت المصالح الأميركية تحت النيران في كل من العراق وسوريا واليمن، وغيّرت المسارات الثلاثة الرئيسة على الصعيد العام: الميدان والسياسة والاعلام. وهي اليوم في موقع المفاوِض، ما يؤكد انتصارها، وخروجها متماسكة بعد أربعة أشهر ويزيد.

ولكن لِما بعد المفاوضات ووصولها إلى خواتيمها المريحة، لدى “حماس” حسابات أخرى. فهي بواقعية سياسية بالغة، تتهيأ لأصوات تعلو في وجهها بعد كل ما خلّفته الحرب رغم انتصار، وتتهيّب لمرحلة إعادة الاعمار بعد كل هذا الدمار. ولذلك هي اليوم تريد وقفاً لإطلاق النار، لا من باب الهزيمة العسكرية كما المحتل، بل من باب الإرهاق الإنساني الذي أصاب الغزاويين، رغم كبريائهم الجميل والمقدّر، ولكن من دون أي تنازل يجعل المعتدي يبدو منتصراً.

وبعد وقف إطلاق النار، ترغب “حماس”، وفق معلومات خاصة لـ”الجريدة”، بالتنازل عن السلطة في غزة لئلا يستغل أحد الوضع ويضعها في وجه الناس، وهي تقبل بهذا التنازل مقابل إعادة إعمار القطاع في فترة زمنية محددة لا تتجاوز السنوات الثلاث.

وهي أصلاً ستكون سلطة على مَنْ وتحكم ماذا بعدما أكل الوحش الإسرائيلي الأخضر واليابس؟

التفكير بما بعد الحرب بدأ، على الرغم من أن الحرب لم تنتهِ، وعلى الرغم من أن نهايتها لن تكون وفق اتفاق دولي شامل وكامل، بل وفق صيغة محلية محددة ومحدودة. وإذا كان الـ”ما بعد” المباشر هو وضع غزة في عهدة منظمات ومؤسسات الإغاثة وإعادة الاعمار، كما يرى البعض، فإن “ما بعد بعد” الحرب، أي قصة حل الدولتين والتطبيع وما بينهما، لم تتجاوز حتى الآن كونها طروحات كلامية بعيدة المنال.